مصير مجهول للنفط بعد الوباء

انتعاشة طفيفة محتملة للأسعار مع بداية فصل الصيف أحداث مهمة

12 أبريل، 2020


–         وتيرة عودة الأسعار الى مرحلة ما قبل الوباء قد تأخذ فترة من الزمن

–         4 فرضيات تحدد اتجاهات أسعار النفط

–         مخاطر موجة انخفاض جديدة قد تصل بالبرميل الى ما دون 20 دولارا للبرميل لنهاية العام

–         الوباء يغير ديناميكيات سوق الطاقة

–         تعافي محدود ومحتمل للنفط مدفوعا بحرارة الصيف المقبل

 

12 ابريل 2020

قسم أبحاث مركز (MenaCC)

ملخص التقرير :

انتعاشة محتملة ومحدودة لأسعار النفط مع بداية فصل الصيف المقبل في حال تأكدت نهاية الموجة الأولى لانتشار عدوى وباء كورونا في العالم. اذ من المتوقع تسجيل انتعاش سريع ومحدود للنفط في الأيام الأولى لتعافي العالم تدريجياً من الجائحة. الا أن وتيرة عودة الأسعار الى مرحلة ما قبل الوباء قد تأخذ فترة من الزمن حتى امتصاص وفرة المعروض النفطي الضخم في ظل محدودية توافق الدول المنتجة على الالتزام بخفض الإنتاج ليتواكب مع مرحلة كساد مقبلة عليها الأسواق الدولية.

تعافي قيمة النفط تدريجياً بعد أن هوت الى مستويات اعتبرت الأقل منذ عقدين هي نتيجة حتمية لتوقع زيادة الطلب على النفط والمحروقات بوتيرة كبيرة حال عودة أكبر اقتصادات العالم الأكثر استهلاكاً للنفط خاصة في قارتي (أوروبا وآسيا) للنشاط عقب تلاشي متوقع لفيروس (كوفيد 19) مع بداية المنتصف الثاني لشهر مايو المقبل كأفضل سيناريو إيجابي، فيما قد يكون السيناريو الاسواء والكارثي أن يجبر استمرار تفشي العدوى الدول لإطالة إجراءات التباعد الاجتماعي أشهرا أخرى[1] ما يزيد من توقع نسبة الركود ويبطئ وتيرة التعافي.

وفي حين تراجع الطلب على النفط بنحو 30 في المئة[2] الى غاية اليوم، فهناك احتمالات أكثر تشاؤماً تتمثل كأن يتقلص الطلب أكثر الى نحو 40 في المئة في حال زادت مدة ذروة تفشي الوباء خاصة في الولايات المتحدة ودول أوروبا مه احتمال عودة موجة ثانية للوباء في الصين. أما في حال بداية نهاية الوباء كما توقعت الحكومة الامريكية ودول أوروبية بحلول نصف الأول من مايو المقبل، فقد تبقى نسبة الطلب عرضة للتذبذب المحدود، وهو ما قد يدفع الى سرعة تحسن الأسعار مع سريان الالتزام بخفض الإنتاج بين المنتجين داخل (أوبك) وخارجها.

وفي حال صحت فرضية نهاية الاغلاق العالمي مع بداية مايو المقبل الموعد المحتمل لتعافي تدريجي لأكبر اقتصادات العالم كالولايات المتحدة والصين واليابان وبقية دول أوروبا وآسيا من حالة الجمود والشلل التي خلفتها إجراءات الوقاية من وباء كورونا، من المرجح في المقابل أن يتضاعف حجم الطلب على النفط مدفوعاً خاصة بعودة نشاط القطاعات المستهلكة للمحروقات بشكل أساسي في قطاع الصناعة والمواصلات على الرغم من توقع استمرار ركود قطاع الخدمات والسياحة والسفر.

ويتوقع مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC) في تقديرات اتجاهات أسعار النفط أربع فرضيات. الفرضية الأولى تتمثل في أن القفزة المتوقعة لأسعار البترول مباشرة عقب نهاية أزمة كورونا قد لا تعكس حقيقة النمو المستقبلي للطلب على البترول واستقراره، حيث أن الارتفاع المتوقع ستبرره ردة فعل نفسية إيجابية وسريعة للمستثمرين سرعان ما تختفي بظهور مخزونات وفوائض نفطية ضخمة. لكن الطلب القوي في المقابل قد يقلص من احتياطات ومخزونات أغلب الدول المستهلكة في العالم والتي اضطرت لوقف جز كبير من أنشطة إنتاج واستغلال وتوريد النفط والمنتجات البترولية على غرار الولايات المتحدة جراء قرارات الاغلاق الشامل والحجر الصحي العام للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد.

الفرضية الثانية الأكثر تفاؤلا والمؤثرة في حركة أسعار المحروقات، تتلخص في تعافي محدود ومحتمل للنفط مدفوعا بزيادة الطلب على التزود بالمحروقات من أجل نمو محتمل للطلب على خدمات التكييف في جل دول العالم خاصة مع توقعات درجات حرارة مرتفعة خلال الصيف المقبل[3].

الى ذلك قد يدعم توقع طلب قوي من الدول الاسيوية خاصة الصين وكوريا الجنوبية واليابان على النفط احتمال تعافي الأسعار.

أما الفرضية الثالثة الأكثر تشاؤماً فقد تتمثل في احتمال زيادة طول فترة ركود أسعار النفط بين 40 الى 50 دولار تحت تأثير تضاعف صادرات الولايات المتحدة النفطية مع بداية العام المقبل[4] فضلا عن زيادة دول أخرى في القارة الامريكية والقارة الافريقية في قدرتها الإنتاجية النفطية، وهو ما سيزيد نسبة المعروض في العالم. كما قد ينعش الصراع بين منتجي النفط لتحديد كميات الإنتاج والمعروض على زيادة ظهور سوق نفطية موازية قد تكون ناتجة عن ارتفاع تدريجي لتجارة تهريب النفط وبيعه بأسعار تنافسية. وقد ينعكس ذلك سلباً على أسعار النفط وان كان تأثيره محدودا.

أما الفرضية الرابعة فتتمثل في احتمال تبلور تغيرات في اتجاهات حركة أسعار النفط على المدى المتوسط تحت تأثير تداعيات أزمة وباء كورونا. حيث قد يتراجع سقف الارتفاع المتوقع لأسعار النفط على المدى المتوسط مدفوعاً بتوقعات سريان سياسات اقتصادية جديدة ستتشكل في المستقبل القريب خاصة تلك التي تؤسس لزيادة الحمائية الاقتصادية والتقليص من الواردات الطاقية والتعويل على الموارد الذاتية، وثانيا ترجيح تسارع خطط التعويل على الطاقات البديلة والنظيفة خاصة في قارة أوروبا. وهي تغيرات استراتيجية متوقعة مسبقا الا أن حدوثها قد يكون أسرع مستقبلا بسبب آثار الازمة التي خلفها الوباء.

TASS

الوباء يغير ديناميكيات سوق الطاقة

التعافي المحتمل لأسعار النفط قد لا يقفز بالأسعار بسرعة كما كانت قبل جائحة كورونا حتى في حالة كثافة الاقبال على الطلب كردة فعل أولية عقب استئناف الشركات والمؤسسات انشطتها بعد نهاية الحجر الصحي وحظر الجولان المفروض من عدة دول منذ أكثر من شهرين. حيث أثرت عزلة العالم التي يفرضها وباء فيروس كورونا والتي قد تمتد لمدة قد تفوق نحو 5 أشهر منذ يناير الماضي، على أسعار النفط وقيمته.

ومن المرجح أن يغير وباء فيروس كورونا التاجي ديناميكيات سوق الطاقة ويحول تغييرات طفيفة معظمها لصالح مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية. وقد أحدثت تبعات الجائحة تغيرات جذرية بطريقتين مختلفتين. الأولى تتلخص في أن صناعة النفط والغاز قد اهتزت في العمق، والثانية هي أن تكلفة رأس المال عند مستويات منخفضة قياسية[5]. وترجح التوقعات أن صناعة النفط والغاز بين قطاعات كثيرة قد تشهد بعض المتغيرات في ظل اقتصاد عالمي سيأخذ وقتاً للخروج من شكل من أشكال الصدمة والسبات، حيث من المرجح ان أسس التعاملات التجارية قد تتغير على المدى الطويل أيضًا.

ويشهد العالم تخمة بالنفط والغاز، وهو عامل خلق تقلبات كبيرة في الأسعار، خاصة بالنسبة للنفط حيث أن المواجهة بين روسيا ومنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) علقت تخفيضات الإنتاج المتفق عليها مسبقًا. كما أن الغاز قد يشهد تباطؤا في الطلب عليه في الدول الكبرى هذا العام، كما انخفضت أسعار الغاز في الخارج، حيث شهدت الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا انخفاض الطلب على الغاز بسبب عمليات الإغلاق لفترات طويلة للحد من آثار Covid-19[6].

ومن المتوقع أن بعض الدول المنتجة للنفط قد تتحول حال نهاية الجائحة الى مستوردة للنفط تحت ضغط اغلاق جزئي او كلي للمصانع في ظل إجراءات الغلق التي اتخذتها أكثر من دولة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. ومن المتوقع أن تتحول الولايات المتحدة الى مستورد بامتياز للنفط الخام والمنتجات البترولية في الربع الثالث من عام 2020 وستظل مستوردًا في معظم الأشهر حتى نهاية الفترة المتوقعة لاستيعاب الاقتصاد الأمريكي للأزمة وتعافيه تدريجياً، حيث من المتوقع ارتفاع صافي واردات النفط الخام وانخفاض صافي صادرات المنتجات البترولية في عدد من الدول المنتجة كالولايات المتحدة والتي تعتبر الأكثر تضررا بتداعيات الغلق جراء تفشي الوباء.

كما انه من المرجح أن يرتفع صافي واردات النفط الخام في عدد من الدول كالولايات المتحدة تحسبا لقرارات انخفاض إنتاج النفط الخام الأمريكي وخفض انتاج دول أوبك، وهو ما سيدفع بالضرورة الى تقلص المعروض المتاح للتصدير. وفي ظل هذا السيناريو من المحتمل ان تنتهز دول كثيرة كالولايات المتحدة الفرصة عند هبوط أكبر لسعر النفط من اجل استيراد أكبر حجم ممكن من المعروض من المنتجات البترولية بأسعار متدنية من اجل تعزيز المخزون الاحتياطي والتحوط لفرضية قفزة الأسعار حال نهاية الازمة وبد تعافي الاقتصاد العالمي. وتتوقع هيئات أمريكية ان صافي صادرات المنتجات البترولية الأمريكية ستكون عند أدنى مستوى لها في الربع الثالث من عام 2020، بسبب انخفاض عمليات تشغيل المصافي الأمريكية بشكل كبير.

وعلى صعيد آخر، نظرا لاستمرار الاغلاق الشامل لبعض الدول للحد من تفشي الوباء تأثرت حركة النقل والشحن لإمدادات النفط في العالم. وفي حين تزيد سرعة تفشي العدوى وارتفاع متوقع للحالات المصابة قد يصل عتبة 3 مليون نسمة عبر العالم بنهاية الشهر، يبدو الاعتقاد بتعافي الاقتصاد ما يزال بعيدا وهو ما يدفع لتوقع حالة ركود قد تصل الى مرحلة كساد. فمع تدهور النمو الاقتصادي العالمي، تستمر التوقعات لأسواق الشحن التجاري في عام 2020 في التدهور[7].

اتجاهات أسعار النفط حتى نهاية 2020

من المتوقع أن متوسط ​​أسعار خام برنت قد تتراوح بين متوسط 33 دولارًا في عام و23 دولارًا حتى نهاية العام أي بانخفاض قدر بنحو 50 دولارا مقارنة مع أفضل سقف بلغه البرميل في 2019 وكان عندما تخطى حاجز 70 دولارا. وتشير التوقعات بأن متوسط ​​أسعار خام برنت سيعاود الارتفاع إلى متوسط ​​قدره 46 دولارًا للبرميل في عام 2021، وهو أقل بمقدار 10 دولارات عن توقعات الشهر الماضي، وسيدعم انخفاض مخزونات النفط العالمية ارتفاع الأسعار[8].

وقد تراجعت أسعار النفط من متوسط (60 الى 70 دولارا) في عام 2019 الى متوسط مرجح بين (30 الى 20 دولارا أو أدنى) في عام 2020. وقد تضغط تداعيات الجائحة على تسارع التغييرات في اتجاهات التقليص على الاعتماد على النفط في المديين المتوسط والبعيد. وهو ما قد يضغط على دول الخليج لتسريع الانتقال الى مرحلة عدم التبعية القصوى على الايرادات البترولية.

وتواجه أسعار النفط مخاطر موجة انخفاض جديدة قد تصل بالبرميل الى ما دون 20 دولارا للبرميل[9] إذا لم يلتزم كبار المنتجين في العالم داخل وخارج منظمة أوبك على خفض سقف الإنتاج بشكل يتجاوب مع فترة كساد اقتصادي متوقعة. ومن المرجح أن يدخل الاقتصاد العالمي في ركود عميق في عام 2020، حيث أن السرعة التي تتطور بها جائحة فيروس كورونا استلزمت سلسلة أخرى من التخفيضات الضخمة لتوقعات الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم، حيث من المتوقع أن ينخفض النشاط الاقتصادي العالمي بنسبة 1.9 في المئة مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة بنسبة 3.3 في المئة و4.2 في المئة و3.9 في المئة على التوالي، مع ترجيح تقلص نسبة تعافي الاقتصاد الصيني الذي سينمو بنسبة محتملة أقل من 2 في المئة[10].

 

 

المصدر: مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC)

 

الهوامش:

[1] NELL GREENFIELDBOYCE, THE CORONAVIRUS CRISIS, New Analysis Suggests Months Of Social Distancing May Be Needed To Stop Virus, March 17, 2020, https://www.npr.org/sections/health-shots/2020/03/17/817214311/new-analysis-suggests-months-of-social-distancing-may-be-needed-to-stop-virus
[2] Factbox: Even big OPEC+ cuts won’t offset oil demand collapse – analysts, reuteres, 9 april, https://www.reuters.com/article/us-global-oil-opec-factbox/factbox-even-big-opec-cuts-wont-offset-oil-demand-collapse-analysts-idUSKCN21R29B

[3] Climate Outlook for April – September 2020, APCC, https://apcc21.org/ser/outlook.do?lang=en
[4] Despite the U.S. becoming a net petroleum exporter, most regions are still net importers, EIA, Feb 2020, https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=42735

[5] Clyde Russell, Renewable energy wins over oil and gas in post-coronavirus world: Russell, Reuteres, april 7 2020, https://www.reuters.com/article/us-column-russell-health-coronavirus-cli/renewable-energy-wins-over-oil-and-gas-in-post-coronavirus-world-russell-idUSKBN21P0L5
[6] Jamison Cocklin, EIA Maintains $2.11 Henry Hub Forecast, but Warns of ‘Heightened Levels of Uncertainty’ from Coronavirus, April 7, 2020,https://www.naturalgasintel.com/articles/121593-eia-maintains-211-henry-hub-forecast-but-warns-of-heightened-levels-of-uncertainty-from-coronavirus
[7] BIMCO webinar: coronavirus pandemic effects on shipping markets 14/04/2020, https://www.hellenicshippingnews.com/events/bimco-webinar-coronavirus-pandemic-effects-on-shipping-markets[8] U.S. Energy Information Administration (EIA), the statistical and analytical agency within the U.S. Department of Energy. By law, EIA’s data, analyses, Short-Term Energy Outlook (STEO) Forecast highlights,  april 2020, https://www.eia.gov/outlooks/steo/pdf/steo_text.pdf
[9] Sri Jegarajah, Oil prices could plunge below $20 a barrel this quarter as demand craters: CNBC survey, APR 6 2020, https://www.cnbc.com/2020/04/06/oil-prices-could-plunge-below-20-a-barrel-in-q2-as-demand-craters-cnbc-survey.html
[10] Fitch Ratings’ Report(s): Global Economic Outlook -Deep Global Recession in 2020 as Coronavirus Crisis Escalates, Thu 02 Apr, 2020, https://www.fitchratings.com/research/sovereigns/deep-global-recession-in-2020-as-coronavirus-crisis-escalates-02-04-2020

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 380