السعودية تشق طريق التحول الى قوة عظمى في صمت خلال عقد واحد

بقيادتها لجهود العالم في أكبر محنه المعاصرة وفرضها رؤية واعدة لازدهار الشعوب أحداث مهمة

29 نوفمبر، 2020


 

  • السعودية قوة عربية صاعدة نحو العالمية تسعى لبلوغ مصاف الـ10 الكبار في عقد واحد
  • نجاح قمة الـ 20 يثبت قدرة المملكة على التحول الى قوة الاعتدال الأولى عالمياً
  • دعم القيادة السياسية لسياسات الانفتاح المدروس والتعاون المشترك ودعم جهود السلام يعزز من قوة المملكة مستقبلاً
  • السعودية تقود جهود نهضة التعليم والمعرفة العربية
  • السعودية تراهن على تحقيق الثروات من المعرفة والابتكار بديلاً عن النفط
  • الصعود القوي للسعودية بين القوى العظمى مستقبلاً يعزز قوة التفاوض والدفاع على مصالح العرب والمسلمين
  • النتائج الاقتصادية المتفائلة في الامارات ومصر تدعم صعودهما في سباق التفوق والنفوذ دولياً
  • السعودية بين أوائل الدول العربية قدرة على سرعة التعافي من تداعيات جائحة كورونا مهما تغيرت أسعار النفط
  • توقع تدفق أكبر للاستثمارات الخارجية بشكل غير مسبوق نحو وجهات عربية خاصة عبر بوابتي السعودية والامارات 
  • مسار التنمية المعتمد يدعم توقعات زيادة جودة حياة أجيال السعودية في المستقبل
  • توقع زيادة فرص تحقيق الثروات يدعم تراجعاً كبيراً لمعدلات الفقر والبطالة
  • استمرار الاستثمار في تحسين سياسات التنمية البشرية وتمكين الشباب رغم الانتقادات 
  • حرب المملكة على الفساد جعلها من أكثر الوجهات الاستثمارية الواعدة

 

ادارة أبحاث المركز

(MenaCC)

28 نوفمبر 2020

الملخص: المملكة العربية السعودية في طريقها للتحول الى احدى القوى العظمى العالمية على المدى القريب والمتوسط، مسار قد يكون غير ملحوظ لكن يمكن التقاط إشارات حوله وهذا ما ترجحه أحدث التوقعات الاقتصادية بعد نجاح قمة العشرين المنعقدة قبل أكثر من أسبوع بالرياض ولأول مرة في دولة عربية. قمة كشفت حقيقة النهضة السعودية الصامتة ومقومات القوة المستقبلية وقدرتها على الاستجابة للأزمات والكوارث واستشراف التحديات وانجاز مشاريع ستحول السعودية برمتها الى مصاف الدول المتقدمة والصاعدة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على تعزز النفوذ العربي دولياً والدفاع عن مصالح العرب على المدى المتوسط.

ويدعم نظرة التفاؤل حول مستقبل التنمية في السعودية إصرار القيادة السياسية على الاستثمار في منوال تنمية حالم ينقل السعوديين الى مصاف الشعوب المتقدمة والمتعلمة، وهو ما أثر إيجاباً على زيادة كسب السعودية لصداقات المستثمرين في العالم، وهو ما يؤهلها لأن تكون بين أولى الدول العربية قدرة على سرعة التعافي من تداعيات جائحة كورونا مهما تغيرت أسعار النفط.

وفي حين يقارب العقد الماضي على النهاية ويبدأ عقد جديد، في الأثناء، تدخل المملكة العربية السعودية كأبرز الدول العربية دائرة التوقعات الإيجابية حول تعزز الازدهار وزيادة فرص خلق الثروات المتاحة للأفراد والشركات وخوض التحديات المستقبلية بالاعتماد على العلوم والذكاء بديلاً عن النفط تدريجياً.

وفي هذا الصدد أكدت دراسة بحثية مختصرة لمركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC) حول “مسار النهضة السعودية بين الفرص والتحديات”، أن المملكة العربية السعودية التي استفادت من قوة الدفع التي منحتها رئاستها لمجموعة الدول العشرين الكبرى في العالم (G20) قد تقفز الى قائمة العشرة الكبار مع حلول نهاية العقد المقبل لتصبح على الأرجح بين القوى العظمى اقتصادياً وعسكرياً على المدى القريب والمتوسط، وهو ما يدعم توقعات زيادة النفوذ العربي في العالم.

 

على صعيد متصل، من المرجح أن يدعم الصعود السريع للقوة الاقتصادية الاماراتية والمصرية هذا الاختراق العربي للتوازنات الدولية على المدى المتوسط. فعلى الأرجح، أن النتائج الاقتصادية المتفائلة في الامارات ومصر تدعم صعودهما في سباق التفوق والنفوذ دولياً على الساحة الاقتصادية والتأثير في صنع القرار السياسي الدولي وفي ميزان القوى العسكرية وخارطة توازنات العلاقات المصلحية الدولية، وهو ما قد يتظافر مع جهود المملكة على الأرجح في الاستجابة لتطلعات الشعوب العربية المتطلعة للتنمية والازدهار في دولها.

وقد تدعم وتيرة التحالفات العربية مع القوى الكبرى واستقرار واقع السلام تعزز فرص الازدهار، وهو يقود تدريجياً الى بداية توقع تدفق أكبر للاستثمارات الخارجية بشكل غير مسبوق نحو وجهات عربية خاصة عبر بوابتي السعودية والامارات في المدى القريب لتشمل باقي الدول العربية أيضاً على المدى المتوسط. في هذا الصدد، قد تزيد الحاجة للتحالفات والتعاون العربي المشترك من أجل ضمان التفوق في سباق توازنات المصالح العالمية، وعلى سبيل المثال يشكل تحالف القوتين الاقتصاديتين السعودية والاماراتية مستقبلاً مركز ثقل كبير بين القوى العظمى من شأنه أن يزيد من فرض الاعتبار والاحترام للدول الخليجية والعربية، وهو مسار من شأنه تحسين قوة التفاوض والدفاع على مصالح العرب والمسلمين في المستقبل.

وتضع هذه التوقعات في المجمل المملكة إذا استمر منوال التنمية الحالم والتنافسي الحالي بين أقوى دول العالم المؤثرة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً في غضون عقد واحد فقط في تنافس محموم خاصة مع دول آسيوية وأوروبية وأمريكية لاتينية صاعدة.

وتشير التقديرات المبنية على دراسة مؤشرات مختلفة تضمنتها توقعات كثيرة أبرزها صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى أن السعودية قد تتضاعف قدراتها الاقتصادية والعسكرية نحو مرتين الى ثلاث مرات بحلول 2030 إذا استمر منوال التنمية الحالم والتنافسي الذي تعتمده. فبنجاحها في تنظيم قمة العشرين (G20) في خضم أكبر أزمات العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أكدت نديتها في ميزان القوى العالمية الصاعدة وجلبت الاحترام الدولي والاهتمام الاستثماري. وأثّر ترأسها للقمة على تغيير أولويات جهود أكثر من ثلثي القوى المؤثرة في الكوكب والاقتصاد العالمي في تسخير الجهود لخلق موارد كافية لتمويل المبادرات المقترحة لازدهار الشعوب في السلم والأزمات. وبذلك نجحت المملكة العربية السعودية كدولة عربية ولأول مرة في التاريخ العربي الحديث منذ حقبة الاستقلال عن الاستعمار، في فرض الاحترام الدولي للإمكانات العربية القادرة على فرض رؤية معتدلة وشاملة لحلول ازدهار الشعوب وخاصة النامية والفقيرة منها على أكبر قوى العالم خلال قمة العشرين.

إعادة تأهيل السعودية على الساحة الدولية

من المرجح أن تساعد القمة العشرين العالمية في إعادة تأهيل السعودية على الساحة الدولية وتحويل انتباه العالم إلى الإصلاحات الرئيسية التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لفتح المملكة وتنويع الاقتصاد.[1] وكان وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير صرح سابقاً ان مجموعة العشرين ستستمر بمعالجة التحديات قبل بروزها في المستقبل معرباً أن القمة فرصة لمناقشة رؤية المملكة 2030. ونجحت بذلك الرياض في اقناع الرأي العام الدولي وكبار المستثمرين في العالم بالقدرات والفرص التي تتيحها المملكة. وفي حال حافظت السعودية على وتيرة التنمية ورفع التحديات والالتزام بتطبيق رؤية 2030، فمن المرجح أن تدخل السعودية قائمة أكبر عشرة اقتصادات في العالم وأكثرها تنافسية وفق مؤشر التنافسية العالمي[2] مع توقع زيادة أصول صناديق الاستثمارات من 600 مليار ريال إلى أكثر من 7 تريليونات ريال.

وتراهن المملكة على زيادة حصة القطاع الخاص والشركات المحلية بما في ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بأكثر من متوسط 50 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي ليقفز الى أكثر من تريليون ونصف دولار مقترباً من 2 تريليون أو أكثر مع أفق نهاية العقد المقبل مع توقع مخاطر أقل من دول أخرى أعضاء في مجموعة العشرين خاصة على مستوى مستقبل توفر الثروات البشرية والطاقية والطبيعية وإدارة التحديات المرتبة عنها وفقاً لمؤشرات توقعات النمو الديمغرافي أيضا مع احتساب مؤشر قدرة الحفاظ على استمرار نمو نصيب دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي والقضاء على الفقر والظواهر السلبية الأخرى.

وترجح التقديرات أن يدعم التضاعف المتوقع لمداخيل المؤسسات الخاصة السعودية الناتج المحلي الإجمالي ويقود في النهاية لتسجيل قفزة متوقعة لحجم الثروات وعدد الأثرياء الجدد، حيث سيوفر منوال التنمية السعودي تضاعف عدد فرص خلق الثروات بالنسبة للأفراد من خلال زيادة تشريكهم في مشاريع التنمية.

رهان سعودي على قود ردع معرفية وعسكرية وعلى التماسك الخليجي العربي

تهدف رؤية السعودية التنموية لتعزيز فرص نمو الاقتصاد القائم على المعرفة الذي يساهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي وخلق الثروة. وبالتالي، فان الاقتصاد السعودي بصدد زيادة منح أولوية للأنشطة القائمة على المعرفة وصناعات التكنولوجيا العالية التي تمثل حصة كبيرة من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وستتركز مجالات تنويع الاقتصاد على دعم التوظيف، والتعليم، والابتكار، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتنمية رأس المال البشري. وقد يؤثر منوال التنمية السعودي الحالم بشكل كبير على خفض معدلات البطالة الى نصف المعدل الحالي[3].

وتتقارب معدلات النمو المتوقعة لتوسع دور الأنشطة الاقتصادية غير النفطية والصديقة للبيئة بين الامارات والسعودية، حيث من المرجح أن تزيد مساهمة الذكاء الصناعي والتكنولوجيا والابتكار في الناتج المحلي الإجمالي لكلا البلدين في 2030 بنحو متوسط 12 الى أكثر من 13 في المئة وبقيمة نحو 240 مليار دولار[4] مع توقع تقدم اماراتي طفيف، لكن تبقى النسبة متقاربة إضافة الى دور الصناعات الأخرى كصناعة الطيران والسيارات والصناعات الإلكترونية فضلاً عن الصناعات العسكرية. وكل هذه المجالات قد تعزز من ثروات السعودية والامارات ومن قدراتهما التنافسية والعسكرية والتي قد تدعمها الشراكات مع الدول الصناعية لما تحمله من تأثير متوقع في زيادة نقل المعرفة والخبرات اللازمة لنهضة التنمية السعودية والإماراتية.

وفي حال حافظ التقارب السعودي الاماراتي على انسجام الرؤى التنموية والسياسية فان احداث أي تحالف سعودي اماراتي اقتصادي قد يمثل قوة كبرى تنافس كبار القوى الصناعية والعسكرية في العالم في غضون عقدين، حيث أن مجموع الناتج الإجمالي المحلي لكل من السعودية والإمارات المتوقع بعد عقد فقط قد يقفز الى نحو 2.5 تريليون دولار على أقل تقدير. وهو ما يعادل أكبر من حجم الناتج الإجمالي المحلي لأربع دول مجتمعة أعضاء في مجموعة العشرين (G20) وهي سويسرا والأرجنتين وسنغافورة وجنوب أفريقيا.

ومن خلال برامج تعزيز القوة الدفاعية والهجومية تراهن السعودية على بناء قوة ردع ضخمة قد تمثل عامل توازن يحمي دول الخليج ككل من التهديدات الخارجية المحدقة، كما من المتوقع أن تتعزز قدرات الدفاع الخليجي المشترك وتصبح قوة حفظ للسلام والازدهار التي تعمل الحكومات لأجل توفيره خاصة من خلال زيادة الاستثمار في تامين موارد كافية لحياة أجيال المستقبل وخاصة على مستوى زيادة الاستثمار في الصناديق السيادية وتوفير ضمانات في الموارد المالية التي تراهن السعودية على تجدد مصادرها بالرهان على الاستثمار في قطاعات واعدة.

وتعتبر السعودية بين أكثر دول العالم النامي والشرق الأوسط والعالم العربي جذباً للاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب المشروعات التنموية الضخمة التي بصدد الإنجاز في المملكة وفي مقدمتها مشروع مدينة “نيوم” الذكية. وتراهن السعودية على دعم دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في تنويع إيرادات الاقتصاد حيث تعتبرها رؤية التنمية من أهم عوامل النمو الاقتصادي القادرة على خلق فرص عمل ودعم الابتكار وتعزيز الصادرات[5]. وتشجع هذه التوقعات النظرة المتفائلة حول زيادة تقليص نسبة الفقر في المجتمع مع زيادة فرص تعزيز الدخل في المستقبل.

ويساعد منوال التحول الاقتصادي القائم على الإنتاجية تمكين المملكة العربية السعودية من مضاعفة ناتجها المحلي الإجمالي وخلق ما يصل إلى 6 ملايين وظيفة جديدة بحلول عام 2030 بعدم من ثمانية قطاعات أبرزها التعدين والمعادن والبتروكيماويات والتصنيع وتجارة التجزئة والجملة والسياحة والضيافة والرعاية الصحية والتمويل والبناء[6]. وكل هذه الفرص الاستثمارية ستستفيد من حزمة التسهيلات التي أتت نتيجة إصلاحات كبرى لبيئة الأعمال.

وقد احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة 62 من بين 190 اقتصادًا في العالم في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2020 الصادر عن البنك الدولي، وحققت بذلك قفزة بنحو 30 مرتبة عن العام السابق. كما احتلت المرتبة الأولى في العالم من حيث التحسن في هذا المؤشر، ويرجع ذلك أساسًا إلى التقدم الكبير المسجل في تحسن التجارة والتسهيلات الائتمانية المقدمة[7].

السعودية تراهن على الذكاء البشري لصنع الثروة بديلاً عن النفط مستقبلاً

رغم بعض الانتقادات الدولية لملف حقوق الانسان في السعودية، فان الإنجازات والإصلاحات التي قامت بها المملكة في السنوات الأخيرة في هذا الجانب ضخمة وواعدة ولعل أبرزها زيادة استثمارها في تنمية القدرات البشرية وضمان جودة بيئة مناسبة لأجيال المستقبل فضلاً عن دعم حقوق المرأة وتعزيز تمكين الشباب ودعم زيادة المشاركة في الحياة السياسية وخاصة على مستوى مراكز اتخاذ القرار، وهي إصلاحات تمثل بداية الطريق تمهيداً لنهضة سعودية تسهم في نجاحها سواعد وعقول سعودية خاصة بالاستفادة من مخرجات تعليم بلغت مستويات غير مسبوقة عربياً في ما يتعلق بكفاءة التعليم التي شهدت طفرة كبيرة في المؤسسات الجامعية والتربوية السعودية والتي أهلتها في النهاية لتسجيل قفزة عالمية في ترتيب الجامعات السعودية خاصة على مستوى تصنيف أكثر الجامعات كفاءة وتطويرا وجودة في التعليم في العالم[8] والتي تعتبر الأكثر تأهيلاً لتخريج جيل مستقبلي من السعوديين من أصحاب الكفاءات والمهارات قادرين على تسريع وتيرة نهضة المملكة وتحقيق هدفها في جعلها في مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً ومن بين منصات الصناعات الذكية والمتطورة دولياً، وهو ما يميز رؤية السعودية في 2030[9] والتي تحظي بدعم مباشر وكبير من القيادة السياسية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حيث يقود قاطرة التغيير المستقبلي وركب تحدي المنافسة مع القوى العالمية الصاعدة.

ويمثل الحرص على التغيير الإيجابي حافزاً للمستثمرين الأجانب التي تحسنت نظرتهم للوجهة الاستثمارية السعودية وزادت رغبتهم على أساس ذلك في الاستثمار في المملكة ومشاريعها الواعدة حيث فاق حجم مخزون الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية نحو ربع تريليون دولار وهو أعلى رقم حتى الآن بين الدول العربية. وتعد الإمارات والولايات المتحدة وفرنسا وسنغافورة واليابان والكويت وماليزيا المستثمرين الرئيسيين في المملكة العربية السعودية. وتوجه الاستثمارات بشكل أساسي نحو الصناعات الكيماوية والعقارات والسياحة والوقود الأحفوري والسيارات والآلات[10].

في السنوات الأخيرة، بفضل التنويع الاقتصادي والمشاريع الجديدة خارج قطاع النفط والغاز، تعافت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو السعودية وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2020 الصادر عن الأونكتاد، حيث زادت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 7٪ بين عامي 2018 و2019، لتصل إلى 4.6 مليار دولار ويرجع ذلك أساسًا الى إصلاحات لعوائق حدود الملكية للمستثمرين الاستراتيجيين الأجانب[11].

كما حاز الاهتمام البيئي بأولويات التغيير المستقبلي في السعودية، حيث من المرجح أن تزيد المساحات الخضراء والأراضي الصالحة للزراعة ومصادر المياه في مقابل تقليص أكبر لانبعاثات الغازية والمؤثرة سلباً على طبقة الأوزون وعلى المناخ، الى جانب ذلك قد تكون الحياة أكثر صحية في المملكة خلال السنوات المقبلة بعد دعم أولويات جعل اقتصاد المملكة المعتمد على انتاج الطاقة الى الاقتصاد الأخضر الصديق للبيئة.

هل تصبح السعودية قوة الاعتدال والتسامح الأولى في العالم؟

تنأى المملكة العربية السعودية بنفسها عن لعبة المحاور في العالم، وتمارس سياسة وسطية مع كل الدول تعتمد على تغليب المصالح المشتركة على كل الاختلافات أو الخلافات وخلق فرص ازدهار وتنمية تستفيد منها الشعوب أولاً، وهو ما جعل السعودية في تموقع محايد ضمن أعضاء العشرين الكبار حيث تقف على مسافة واحدة مع جميع القوى الكبرى ودول العالم.

ويولي مسار الانفتاح المعتدل التي تنتهجه السعودية في تعزيز فرص تنميتها الاقتصادية في العالم أهمية لمراعاة المبادئ والثوابت العربية والإسلامية والتمسك بمبادئ التسامح والاعتدال والوسطية والمبادرة بالسلام وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وهو ما قد يجعلها بين قوى الاعتدال الكبرى المؤثرة في العالم على غرار الهند على سبيل المثال والتي تتحسن مؤشرات نموها بوتيرة قوية وفي صمت دون التدخل في صراعات جانبية أو دولية باستثناء حساسية العلاقات مع باكستان.

ولا تمثل غالبية الدول الأعضاء في مجموعة العشرين (G20) مصالح الاعتدال بقدرة ما يمكن أن تمثلها السعودية مستقبلاً، حيث تزايد تشابك مصالح عدد من الدول الأعضاء كاليابان وكوريا الجنوبية مع الصين ودول أوروبية كإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا مع دول أخرى خاصة العالم النامي حيث زادت وتيرة تدخل سياسات بعض هذه الدول الأوروبية في بلدان أخرى في القارة الافريقية خاصة في مستعمراتها القديمة، الى جانب زياد اختلاف الرؤى بينها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وزيادة احتدام الخلاف مع تركيا حول مخطط توسع قوتها ونفوذها في مناطق تمثل مصالح أوروبية فضلاً عن زيادة علاقات التنافس مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، وعلى صعيد متصل يستقر توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا في ما يتعلق بحرب المصالح التجارية والعسكرية. كل هذه الصراعات المعلنة والخفية قد تزيد من وتيرة حرب باردة في المستقبل. كما تشترك أغلب دول العشرين في مخاطر مقلقة وحيوية تتمثل في احتمال تآكل قوتها الداخلية خاصة البشرية بزيادة التهرم السكاني وتوقع تأثير التغيرات السياسات نحو القومية الوطنية الحمائية فضلاً عن زيادة احتمالات هجرة رؤوس أموال الى وجهات استثمارية واعدة.

وعلى عكس هذه الدول لا تواجه السعودية مخاطر جدية وحيوية على المدى القريب والمتوسط، حيث تغلب توقعات الاستقرار على أي توقعات أخرى. اذ تدرك القوى الاقليمية المنافسة أهمية التعاون وتغليب الديبلوماسية بدل الصدام. وتميزت سياسات المملكة بتمسكها بمبادرات حلول السلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإنهاء الخلاف خاصة مع إيران الى جانب سياستها الرامية للدفاع عن مصالح الشعوب في اليمن وسورية وغيرها من الدول.

وتتقدم السعودية على باقي أغلب دول مجموعة العشرين في تراجع التحديات الداخلية على مستوى التنمية البشرية حيث لا تعاني مخاطر التهرم السكاني كالتي تواجهه الولايات المتحدة والصين واوروبا أو مشكلات الفقر والبطالة كالتي تعاني منها دول كبرى اسيوية وأمريكية لاتينية. لكن تبقى التحديات كبيرة وضخمة أمام طموحات النهضة السعودية والتي تتمثل خاصة في تحديث الإدارة والتشريعات والبنى التحتية وتقليص البيروقراطية والفساد والرهان على تمساك مجلس التعاون الخليجي كقوة موحدة ومنسجمة تزيد من ضمانات مسيرة التنمية السعودية التي تشارك بها دول خليجية بالدرجة الأولى من خلال الاستثمارات المباشرة.

ومن المرجح أن يحفز الاعتراف الدولي بالتطور الذي بلغته المملكة وبالدور السعودي في تعزيز الازدهار والتنمية والسلام اقليميا ودولياً في تسريع وتيرة الإصلاحات في شتى المجالات وتحديث معايير الدولة الحديثة ودعم حقوق الأفراد ونهضة المجتمع مع الحفاظ على الهوية العربية المسلمة والقيم والعادات والتقاليد التي تميز المجتمع السعودي.

مواجهة جائحة كورونا أثبتت قدرة السعودية على تقديم حلول لدعم الدول الفقيرة والهشة واستشراف المستقبل

تدعم المملكة أولويات انقاذ العالم والدول الإسلامية والعربية من تداعيات كورونا الكارثية حيث حفزت الجهود الدولية ضمن مجموعة العشرين (G20) للموافقة على تمديد تجميد سداد الديون ليشمل البلدان الفقيرة مع الاعتراف بأن المزيد من تخفيف الديون قد يكون ضروريًا على الدول المتضررة من وباء كورونا.

وعملت السعودية خلال ترأسها قمة العشرين على تحفيز القوى الكبرى في العالم في ظل الظروف الدقيقة التي تميزها تداعيات الجائحة الاقتصادية والاجتماعية على اعتماد سياسات تعيد الاطمئنان والأمل لشعوب العالم عبر توفير حلول استثنائية تبدأ بدعم الدول الفقيرة قبل الغنية. ورغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم لم تهمل المملكة أهمية التأكيد على قضايا أخرى ملحة أهمها الطاقة والمناخ والاقتصاد الرقمي والرعاية الصحية والتعليم.

وانتصرت السعودية للدول النامية ومحدودة الدخل والشعوب الفقيرة، في قمة العشرين وفرضت رؤية دعم طارئ للشعوب الفقيرة تفاعلت معها ايجاباً القوى الكبرى. وتمكنت خلال رئاستها عاماً كاملا لقمة الكبار في ظل أزمة مزدوجة غير مسبوقة تفوق آثارها الكارثية الحرب العالمية الثانية أن تعد خارطة طريق للقوى الكبرى في العالم لإنقاذ البشر والكوكب من ارتدادات إنسانية واقتصادية واجتماعية وسياسية لهذه الأزمة. كما سعت المملكة خلال بياناتها في القمة لمنح الأولوية لتمكين الانسان من فرص الثروة والعمل والتعليم والصحة والازدهار، ولم تتناسى الفئات الهشة، فضلاً عن أهداف تحسين بيئة العيش وذلك بدفع الالتزام الدولي بتقليص انبعاثات الغازات الدفيئة والحفاظ على البيئة المهددة بمخاطر كثيرة، الى جانب الاستفادة من الرهان على الاستثمار التكنولوجيات الحديثة.

وعلى صعيد متصل، استطاعت رئاسة السعودية لقمة أغنى دول العالم تشخيص التحديات وفرص المستقبل. وقدمت المملكة “نموذج التعاون والازدهار المستقبلي مع مراعاة معايير الاعتدال وعدم تحميل الفئات الهشة والفقيرة ثمن التغيرات المستقبلية أو الأزمات الحالية. وباتفاق أغنى دول العالم في قمة الرياض على ضخ أكثر من 11 تريليون دولار لحماية الاقتصاد العالمي، يبدو أن الاقتصاد العالمي يحظى بفرص أكبر للتعافي وتقليص مخاطر الفوضى العارمة التي تهدد دولا كثيرة في العالم النامي والعالم المتقدم جراء ضخامة أضرار الوباء التي فاقت اضرار الحرب العالمية الثانية وتجاوزت قدرات الحكومات محدودة الدخل.

وعلى الأرجح أن يذكر التاريخ الدور المحوري السعودي في التأثير على القوى الكبرى في العالم في سرعة الاستجابة لأكبر محنة إنسانية في التاريخ الحديث فضلاً عن قوة الدفع السعودية التي ضغطت من أجل توزيع عادل للقاح وباء فيروس كورونا المستجد واستفادة كل الشعوب به وخاصة الفئات الهشة والفقيرة التي تقف الي جانبهم المملكة من خلال المساعدات والمنح، وهي رسائل أكد عليها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان خلال قمة (G20) بالرياض.

وتعتبر السعودية بين كبار المناحين الدوليين في العالم للمساعدات خاصة للدول الفقيرة وبشكل أخص للدول العربية والمسلمة. وكانت تعهدت السعودية مع بقية دول العشرين بنحو أكثر من 21 مليار دولار كمساعدات لمكافحة الوباء. ومن المرجح أن يزيد حجم التعهدات في حال استمرار انتشار الوباء وتوسع دائرة أضراره. وعموماً تدعم المملكة القضايا الإنسانية وتعتبر بين أوائل الدول المبادرة بتقديم المساعدات في السلم والحرب. ويقارب اجمالي حجم المساعدات السعودية الخارجية[12] لدول العالم خاصة الفقيرة والعربية نحو 100 مليار دولار وهو ما يجعلها في صدارة الدول المانحة الأكثر سخاء عالمياً وهو ما استثمرته جيدا لتعزيز آفاق ديبلوماسيتها وأصدقائها في العالم ما سهل في زيادة اتساع شبكة مصالح المملكة.

صعود القوة السعودية في العالم يعزز قوة التفاوض على المصالح والنفوذ العربي في المستقبل

كان للسعودية دور هام جدا قد يكون غير ملحوظ لكن يمكن التقاط إشارات حوله يتمثل في دور قوي في دعم واضح تقوده المملكة لإقناع الدول المتقدمة في نقل ومشاركة وسائل المعرفة وأسرار النهضة العلمية والتكنولوجية للدول العربية في مقدمتها المملكة، التي لطالما ميزت العالم المتقدم عن العالم النامي.

ومن المتوقع ضمن شراكات وانفتاح مدروس تسعى اليه المملكة في غضون عقدين أن تتحول الى قوة صناعية متطورة في مجالات غير تقليدية كصناعة السيارات وتركيب الطائرات والروبوتات وتعزز الصناعات الغذائية والدوائية بالاستفادة من زيادة الرهان على تطوير التعليم والمؤسسات التعليمية وتعزيز كفاءة المخرجات التعليمية لتقود مرحلة النهضة التعليمية المقبلة في العالم العربي  والتي ستكون مرحلة حاسمة في تحول السعودية الى مصاف الدول المتقدمة سواء في التعليم أو الاقتصاد، وكل هذا التقدم الموعود بدأت المملكة تهيأ له البيئة الثقافية المناسبة من خلال الرهان على الانفتاح والتسامح، وتحسين جودة البيئة والطبيعية عبر زيادة تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على الطاقة الأحفورية والرهان أكثر على الثروات البشرية وقدرتها على ابتكار الإيرادات المتجددة.

الى ذلك فان المخزون الطاقي والبشري والعمق الجغرافي وعلاقات السلام التي تجمع المملكة بدول العالم وتماسك محيطها الخليجي وانسجام الرؤى التنموية لقادتها مع الطموحات الشعبية، كل حوافز قد تمنح أملاً كبيرا في تحسن بيئة حياة أجيال السعودية والخليج والعدول العربية مستقبلاً من جهة، وتعزز من قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية مجتمعة من جهة أخرى، حيث تنسجم رؤية الامارات والكويت والبحرين وعمان مع رؤية الازدهار الهادئ التي تتقدم في تحقيقها المملكة.

على صعيد آخر، هدفت قيادة السعودية لقمة أكبر القوى الاقتصادية في العالم (G20) الى زيادة اندماج الدول العربية عموماً في قاطرة النهضة العالمية وعدم تهميشها، ومحاولة نقل مصادر الثروة المتجددة لها وتسعى المملكة لتعلب دور مركز ثقل قوي لتحمي الدول العربية من مصادر التهديد الكوني التي تمثله القوى الإقليمية والعالمية وتعزيز الشراكات الاقتصادية ودعم البلدان العربية محدودة الدخل وتمكينها من تحسين قدراتها على التحول التدريجي الى اقتصادات تنافسية وزيادة مصادر دخلها وازدهار شعوبها في آخر المطاف.

ومن المرجح أن تعود قيادة المملكة للقمة بالكثير من الاحترام للدور العربي العالمي في المشاركة في رفع التحديات الكونية واشراك القدرات العربية في صنع الثروات المتجددة وجعل الدول العربية منصات ازدهار مستقبلية، حيث تراهن المملكة على مبادئ الوسطية والاعتدال لجمع وتحفيز وتنسيق الجهود في خلق قوة عربية مجتمعة مؤثرة بين القوى العالمية الكبرى، وهذه التطلعات تجعل من المملكة وحلفائها العرب مستقبلا قوة لا يستهان بها.

 

2020 ©  مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية MENACC

 

الهوامش:

[1] Marwa Rashad, Raya Jalabi, COVID deals blow to Saudi Arabia’s G20 summit ambitions, reuters, nov 2020, https://uk.reuters.com/article/us-g20-saudi/covid-deals-blow-to-saudi-arabias-g20-summit-ambitions-idUKKBN2800YI

[2] Amina Amirat, University of Jeddah, Makram Zaidi, Estimating GDP Growth in Saudi Arabia Under the Government’s Vision 2030: a Knowledge-based Economy Approach, March 2019, Journal of the Knowledge Economy 11(3), DOI: 10.1007/s13132-019-00596-2, Received: 4 May 2018 /Accepted: 3 February 2019/#Springer Science+Business Media, LLC, part of Springer Nature 2019
[3] Amina Amirat, University of Jeddah, Makram Zaidi, Estimating GDP Growth in Saudi Arabia Under the Government’s Vision 2030: a Knowledge-based Economy Approach.
[4] PWC report, US$320 billion by 2030? The potential impact of AI in the Middle East, https://www.pwc.com/m1/en/publications/documents/economic-potential-ai-middle-east.pdf
[5] Vision 2030, file:///C:/Users/IMED/Downloads/Saudi_Vision2030_EN.pdf
[6] Gassan Al-Kibsi | Riyadh, Jonathan Woetzel | Shanghai, Tom Isherwood | Dubai, Jawad Khan | Dubai, Jan Mischke | Zurich, Hassan Noura | Dubai, SAUDI ARABIA BEYOND OIL: THE INVESTMENT AND PRODUCTIVITY TRANSFORMATION, 2015, Mckinzey, https://www.mckinsey.com/~/media/McKinsey/Featured%20Insights/Employment%20and%20Growth/Moving%20Saudi%20Arabias%20economy%20beyond%20oil/MGI%20Saudi%20Arabia_Executive%20summary_December%202015.pdf
[7] Sophie Ireland, _Countries With the Best Foreign Direct Investment Opportunities,Stats Gate, May 9, 2020, https://ceoworld.biz/2020/05/09/ranked-countries-with-the-best-foreign-direct-investment-opportunities-2020/
[8] Universities world ranking, 2018, https://www.topuniversities.com/university-rankings/world-university-rankings/2018
[9] Vision 2030, file:///C:/Users/IMED/Downloads/Saudi_Vision2030_EN.pdf
[10] UNCTAD report, Foreign direct investment (FDI) in Saudi Arabia, Nordea, https://www.nordeatrade.com/en/explore-new-market/saudi-arabia/investment

[11] UNCTAD report, Foreign direct investment (FDI) in Saudi Arabia, Nordea, https://www.nordeatrade.com/en/explore-new-market/saudi-arabia/investment

[12] Yi Li, Saudi Arabia’s Economic Diplomacy through Foreign Aid: Dynamics, Objectives and Mode, Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, ISSN: 2576-5949 (Print) 2576-5957 (Online) Journal homepage: https://www.tandfonline.com/loi/rmei20, https://doi.org/10.1080/25765949.2019.1586367 Published online: 22 Mar 2019.

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 694