دراسة: تصاعد مقلق للجريمة في العالم العربي وزيادة ثقافة العنف والإدمان والأمراض العقلية أهم الأسباب

العقوبات الردعية فقط لا توقف الجرائم بقدر أهمية علاج أسبابها أحداث مهمة

7 ديسمبر، 2020


 

–         الجريمة تتراجع في دول الخليج وتقفز في دول المغرب العربي

–         المراهقون والمرأة أهم ضحايا العنف والجريمة في العالم العربي

–         فرضية تراجع الجريمة في العالم العربي مرتبط بالرفاه النفسي والاقتصادي أكثر من تطبيق الإعدام

–         سياسات الاعلام تشجع عن غير قصد انتشار الجريمة وثقافة العنف

–         زيادة ارتباط الجريمة بالالتزام بتطبيق المعايير الأخلاقية والتدين وصرامة انفاذ القوانين

–         ضعف الصلة بين زيادة الجريمة ومحدودية تطبيق الإعدام

–         زيادة الدعوات الشعبية بتطبيق القصاص لردع المجرمين وخاصة في قضايا الشرف

–         ارتباط الجريمة بالوضع الاقتصادي يؤشر على توقع زيادة الجرائم في الدول التي تشهد أوضاع اقتصادية متردية بسبب جائحة كورونا

–         زيادة ادمان الشباب العربي على الانترنت ترفع معدل الجريمة المبتكرة

–         محدودية جودة بيئة السجون تؤثر في استمرار تبني ثقافة العنف

 

ادارة أبحاث المركز

(MenaCC)

باشراف الباحث د.عماد مرزوقي 

الكويت 6 ديسمبر 2020

الملخص: يستمر معدل الجريمة في العالم العربي في الارتفاع كل يوم على الرغم من اتخاذ الحكومات العديد من الإجراءات الاحترازية. ولعل نتائج البحث في دوافع الجريمة تكشف استنتاجاً صادماً يتمثل في أن الدول الأكثر تحرراً من القيود الأخلاقية والاجتماعية والدينية والأقل انفاذا للقوانين تصنّف بين أخطر دول العالم للعيش فيها بالنظر لنمو معدلات الجريمة والتي ترتبط بأسباب مستجدة لعلّ أبرزها زيادة غير مسبوقة في أعراض الاكتئاب والقلق والادمان بين العرب خاصة الشباب منهم والتي تفسّر ضمن 10 أسباب أخرى زيادة الاقبال على العنف.

وحسب ملخص دراسة لـ”مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية” (MenaCC) يوجد نحو أكثر من 56 مليون عربي أغلبهم من فئة الشباب، أي نحو 14.7 في المئة[1] من اجمالي التعداد التقديري للشعوب العربية لديهم أعراض اكتئاب وقلق مع تصاعد ادمان على المخدرات والكحول، وهو ما يزيد في نوازع الجريمة في العالم العربي في ظل تراجع مؤشر الرفاه النفسي وزيادة معدلات الفساد وتدني جودة التعليم والادمان على الأنترنت واتساع دائرة الفقر والتهميش والبطالة.

وبالمقارنة بين منطقة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنطقة دول المغرب العربي على مستوى نمو معدلات العنف والجريمة، فقد اتضح أنه رغم تفوق الخليجيين على المغاربة في نسبة امتلاك السلاح بالنظر للعادات والتقاليد القبلية، فقد اتضح ان نسبة نمو الجريمة في منطقة المغرب العربي تعادل ضعفي نسبة نموها في دول الخليج[2]، وذلك لأسباب تعود الى تراجع دوافع الجريمة في دول الخليج خاصة في الامارات وقطر وعمان والبحرين مع استقرار نسبي في السعودية والكويت. اذ أن تحسن الرفاه النفسي والاقتصادي وتعزز جودة التعليم وتحسن ظروف العمل وجودة الحياة أسهمت في تجنب الكثير من الافراد الانخراط في الجريمة على عكس دول المغرب العربي التي تشهد كل من تونس والمغرب والجزائر وليبيا[3] زيادة معدلات العنف والجريمة سنوياً لأسباب أهمها مرتبط بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وتراجع جودة التعليم والبطالة والفقر.

وعلى صعيد آخر، من خلال أحدث الأبحاث، تلعب الوسائط الرقمية والتلفزيون دورًا مهمًا للغاية لإرشاد الناس خاصة فئة الشباب والمراهقين كيف يمكنهم الحصول على المال عبر العديد من الأعمال الإجرامية. اذ تم رصد زيادة اقبال غير مدروس للأطفال وجيل الشباب وحتى جزء من شريحة الكهول على استهلاك ثقافة ومعرفة متنوعة مصدرها حجم هائل من البيانات المليارية يومياً التي تعرض في محتوى الكتروني على شبكة الانترنت. وعادة ما توفر محركات البحث أو منصات التواصل الاجتماعي محتوى المعارف الإلكترونية مع صعوبة مراقبتها، حيث يعقد مهمة مراقبة المعلومات الحجم الضخم الذي يضيفه ويتشاركه المستخدمون يومياً. وقد فاق تشارك المحتوى السلبي المحتوى الإيجابي على منصات التواصل[4] ما يدعو الى دراسة إعادة تقييم الأثر النفسي والعقلي للتعرض المستمر لدفق بيانات منصات الاتصال (الافتراضي) خاصة في ظل زيادة استخدام الهواتف الذكية وسهولة الاتصال بالأنترنت في أغلب دول العالم والمنطقة العربية وحتى في الجهات الفقيرة منها.

واستنتجت دراسة المركز أن مؤشرات العنف السلوكي والاجرامي خاصة بين المراهقين قفزت خلال العقد الماضي مفرزة تصاعد ظاهرة جديدة تمثلت في زيادة رصد نمو معدل الجريمة المبتكرة التي قد تكون بين أهم دوافعها ارتفاع نسبة ادمان الشباب العربي على الانترنت ومحاكاة جرائم الواقع التي تعرض على الانترنت أو يتم أرشفتها أو تصويرها. ولكن الأخطر من ذلك خلال رصد الظاهرة استنتاج يفضي الى أن هناك جرائم مبتكرة يعرض تفاصيلها أشخاص عبر العالم يعانون من أعراض أمراض نفسية وعقلية وبينهم مهووسون وذلك من أجل الانتقام أو بدافع التميّز في الشذوذ ويتم أحياناً مشاركتها قبل حذفها من إدارة منصات التواصل الاجتماعي. الى ذلك يلجأ كثير من الشباب الى منصة العالم السفلي أو المظلم من الانترنت[5] Dark web لتشارك معلومات محذوفة من سطح الشبكة أو من محركات البحث فقط بدعوى الفضول. وهو ما يقود في النهاية الى تسجيل زيادة التعرض خاصة بين المراهقين لتشارك تجارب العنف الافتراضي الذي بدأ ينتقل الى الواقع ويهدد السلم الاجتماعي. وقد يستفيد تطور مثل هذا العنف المبتكر من عدم الاستقرار الاجتماعي والنفسي جراء تداعيات وباء كورونا وما قد تنتجه من احتجاجات، حيث قد تدفع أي بيئة مضطربة الى زيادة اقبال بعض المكتئبين على التعبير عن العنف المكبوت وتفجير غضبهم وهو ما يمثل من احدى المخاطر المستقبلية قريبة المدى.

وبينت الدراسة التي تناولت أبرز أخبار العنف والجريمة في الدول العربية خلال 2020 أن المراهقين والمرأة والأطفال أهم ضحايا العنف والجريمة في العالم العربي. وفي حين زادت الدعوات الشعبية بتطبيق القصاص لردع المجرمين وخاصة في قضايا الشرف، الا أنه تبين ضعف الصلة بين زيادة الجريمة ومحدودية تطبيق الإعدام على سبيل المثال. حيث أن رادع الجريمة بالنظر لدراسات مقارنة بين دول أوروبية وعربية يكمن في تعزيز ثقافة احترام الآخر ومدى الالتزام بتطبيق المعايير الأخلاقية والتدين وصرامة انفاذ القوانين.

وترتبط فرضية تراجع الجريمة في العالم العربي بمدى توفر الرفاه النفسي والاقتصادي أكثر من تطبيق الإعدام. ففي إيران على سبل المثال التي تطبق بشكل صارم عقوبة الاعدام الا أن الجريمة في ازدياد.

على صعيد آخر، اتضح أن تشارك وعرض وسائل الاعلام والأفراد للمزيد من المعلومات عن الجرائم بقصد التحسيس بأهمية خطورتها يسهم في اثارة شغف المراهقين بها على عكس المأمول منها، حيث أن تأثير زيادة عرض الجرائم على امتداد العقد الماضي اتضح أن نتيجته عكسية. فبدل أن تكون هذه المعلومات للتحسيس بخطورة الجريمة اتضح أن زيادة عرضها أو عرض صور وفيديوهات واقعية حرضت على زيادة أكثر على ارتكاب العنف والجريمة خاصة بين المراهقين وهو ما يدعو الى اعادة تقييم التفاعل الإعلامي والشعبي إزاء الجريمة والظواهر الاجتماعية والنفسية السلبية وكيفية مكافحتها. وزيادة فرض قيود على مشاركة الفيديوهات الحاثة على العنف حيث أن خطورتها على المجتمع أكثر من الفيديوهات الإباحية وبالتالي فقد تكون حاجة ماسة لدراسة زيادة توسيع قائمة الفيديوهات والصور المحظورة بالإضافة تلك الحاثة على العنف النفسي أو الجسدي، لكن بشكل لا يتنافى مع حرية التعبير. حيث أن عدم تقييد محتوى الصور والفيديوهات على الانترنت الحاثة على العنف قد يؤدي الى زيادة ترسخ ثقافة العنف في وعي المراهقين.

وبينت الدراسة التي استندت الى أبحاث مرتبطة بتطور سلوك العنف بين الشباب والمراهقين العرب خاصة بين (2012 الى 2018) اعتماداً على احصائيات الجرائم المرتكبة خاصة جرائم التطرف والإرهاب، أن عدداً من الشباب الذي تعرض أكثر من غيره لاستهلاك محتوى اعلامي على الانترنت أو التلفزيون يرفض أو يحثّ على حد سواء على العنف والتطرف كانت ردة فعل جزء منهم سلبية، حيث زاد رصد عدد المنتمين أو الملتحقين الشباب بتنظيمات متطرفة وجهادية (القاعدة والنصرة وداعش) من كافة الدول العربية بين 2014 الى 2016. ومثلت تجارب التحاق بعضهم بهذه التنظيمات ترجمة للغضب والعنف المكبوت. الى ذلك استمرت أعداد الملتحقين من الشباب بالتنظيمات الإرهابية رغم زيادة الحملات الإعلامية المضادة للتطرف والإرهاب. حيت تظهر الدراسة أن زيادة التعرض أيضاً للمحتويات الاعلامية كأخبار وصور وفيديوهات بقصد انتقاد ورفض العنف والجريمة والتطرف يؤدي ولو بشكل جزئي الى نتائج سلبية تعزز ثقافة العنف. ولعل أكبر مثال حديث على هذه الظاهرة، حجم العنف ومظاهر الانفلات والسرقة التي رافقت تظاهرات سلمية في الولايات المتحدة للمحتجين الأمريكيين على مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد على يد رجال الشرطة لأسباب عنصرية مزعومة صيف العام الجاري. وينسجم المثال نفسه على الاحتجاجات الفرنسية لحاملي السترات الصفراء خلال بداية هذا العام احتجاجاً على قوانين غير شعبية أو لأجل المطالبة بالتوظيف والتي تخللتها أعمال عنف وسرقة وجرائم تطرف أيضاً.

وكاستنتاج عام، فانه رغم الحملات الإعلامية الأمريكية والفرنسية المناهضة للعنف، الا أن حجم المحتوى الإعلامي الذي يتشاركه الأمريكيون أو الفرنسيون على سبيل المثال فضلاً عن المحتوى الإعلامي الذي يعرض العنف والجرائم بمقاصد مختلفة في (الانترنت أو التلفزيون أو السينما) يسهم في ترسّب ثقافة السلوك العنيف حتى في الدول المتحضرة والمتقدمة.

وبعيدا عن الدول المتقدمة، تبرز تحديات لظاهرة قديمة جديدا آخذة في الارتفاع تتمثل فقي الهجرة غير الشرعية والتي تشهد ارتفاعا خاصة في منطقة مال فريقيا والمغرب العرب. فرغم ان الهجرة غير الشرعية تعتبر جريمة في اجتياز حدود بصورة غير قانونية ورغم مكافحة السلطات لها عبر الحديث عنها وعرض مخاطرها عبر وسائل الاعلام التقليدي والجديد، ورغم اظهار نتائج الهجرة السرية أو غير الشرعية التي أدت الى غرق الكثيرين في عرض البحر الا أن نسبة زيادة اقبال الشباب على هذه الظاهرة قفزت بوتيرة مضاعفة في دول مثل تونس والمغرب والجزائر[6]. وبالتالي فان الحملات الإعلامية المضادة زادت في اقبال الشباب على الهجرة غير الشرعية والنظر لها كتحد للمجتمع والسلطات رغم المخاطر المحدقة وبات هذا التحدي يستهوي الباحثين عن المغامرة. وبذلك فان علاج مثل هذه الظاهرة بدل التركيز على عرضها وتفسير مخاطرها، كان الأفضل والأكثر جدوى عدم التطرق لها بشكل نقدي وسلبي بقدر التطرق لفوائد الهجرة الشرعية والنظامية فضلاً عن تعزيز تسليط الضوء على الفرص المتاحة للشباب في الداخل حتى تتقلص تبريرات المقبلين على الهجرة غير الشرعية. في المقابل شجّع تشارك بعض الأشخاص لتجارب شخصية للهجرة غير الشرعية والوصول الي الوجهات المقصودة عبر منصات التواصل الاجتماعي زيادة الإصرار على الاقبال على هذه المخاطرة.

ولم تنجح الاجراءات المقيّدة لتشارك مشاهد المخاطرة وتجارب العنف والظواهر السلبية التي أعلنت عنها إدارات أهم مواقع التواصل الاجتماعي كـ”تويتر” و”فايسبوك” و”يوتيوب”[7] في كبح جماح تطور السلوكيات السلبية والعنف التقليدي والمبتكر، حيث أن نمو تدفق المعلومات اليومية المتشاركة على منصات التواصل ضخم جداً وتمثل مهمة مراقبته من أبرز التحديات التي تثير انتقادات مستمرة لمنصات الاتصال الجديد.

الا أن الرقابة الصارمة وسياسة الانتقاء و(الفلترة) على محتويات الانترنت خاصة بفرض القيود على مشاهد العنف والجريمة والتطرف على سبيل المثال في دول كاليابان وكوريا الجنوبية والصين وتايوان ودول خليجية كالإمارات والسعودية وقطر[8] أسهمت في التقليص نوعاً ما من جرائم العنف في هذه الدول.

على صعيد آخر يبرز عامل مؤثر جداً في السنوات الأخيرة في تطور الجريمة وهو عامل الانفلات الأمني وعدم الاستقرار السياسي، فبقدر رصد وجود اضطراب سياسي وانفلات أمني في أي بيئة تنتعش محفزات الجريمة، وهذا ما ظهر جلياً في تجارب دول مثل سوريا وليبيا واليمن وأفغانستان التي تعاني من الصراعات وعدم الاستقرار والانفلات الأمني وانتشار السلاح حيث تعتبر بين أهم دول العالم تسجيلاً لارتفاع معدلات الجريمة[9].

وتعاني دول افريقيا أيضاً من زيادة الجريمة بسبب الانفلات أمني وهيمنة العصابات أو انتشار السلاح بين المواطنين وتعتبر نيجيريا وجنوب افريقيا وكينيا وأنغولا من أبرز ضحايا جرائم العنف والتي تزيد وتيرتها أيضا في هده الدول مدفوعة بتأثير تجارة الممنوعات كالمخدرات بالإضافة الى إشكاليات الفقر.

وعلى صعيد متصل، تزيد أهمية عامل آخر وخطير جدا في تطور نسب الجرائم في العالم وفي الدول العربية وهو الإدمان على المخدرات، فقد تطور استهلاك المخدرات في العالم بما في ذلك المنطقة العربية ويسهم هذا التطور في رصد زيادة دوافع الجريمة تحت تأثير الإدمان.

كما يبرز قلق جدي حول زيادة اختراق منتجات المخدرات المختلفة حدود المناطق العربية خاصة منطقة الخليج وشمال افريقيا. حيث يزيد رواج ظاهرة تهريب السلع المرتبطة بالمخدرات. ويعتبر الإدمان أكبر آفة تهدد السلامة والصحة العقلية للشباب العربي. وتسهم زيادة تداول معلومات سلبية ومغلوطة خاصة حول حلول الرفاه النفسي في تظليل المستخدمين خاصة المراهقين منهم. اذ بات البعض يروج للمواد المخدرة كعوامل مؤثرة في الرفاه العقلي ما يدفع الشباب لزيادة الإقبال على ادمان المخدرات أو ابتكار مواد أخرى مخدرة من خلال الانفتاح على تجارب مختلفة حول العالم لصنع مواد مخدرة بديلة.

وتزيد معدلات الجريمة في العالم والدول العربية بشكل متصاعد وبوتيرة سريعة خاصة في الدول التي تسجل انتشارا واسعاً لاستهلاك المخدرات[10] ويعتبر المنحى التصاعدي لتسلل المخدرات الى الدول العربية مقلقاً، حيث تعاني دول أمريكا الجنوبية خاصة والتي تعتبر بين أهم بؤر العالم لتجارة المخدرات من زيادة سنوية لجرائم العنف بسبب الإدمان، وتتصدر أغلب دول جنوب القارة الأمريكية قائمة مؤشر الجريمة العالمي كفنزويلا والبرازيل والسلفادور وكولومبيا والمكسيك.

ومن بين أهم العوامل المؤثرة في انتشار الجريمة في العالم العربي برزت محدودية تأهيل المسجونين المطلق سراحهم في جرائم مختلفة وبينهم المستفيدين من قرارات العفو سنوياً، حيث أنه اتضح خلال العشر سنوات الأخيرة أن جزئاً من المجرمين أعادوا ارتكاب أعمال عنف أو تورطوا في جرائم جديدة بعد انتهاء مدة العقوبة حسب رصد أرشيف الصحف العربية، وبرزت جرائم كثيرة روعت المجتمع في بعض الدول العربية خلال 2020 واتضح في النهاية أن مرتكبيها من أصحاب السوابق أو حديثي الخروج من السجن[11]. وتمثل زيادة المجرمين من بين خريجي السجون دلالة تعكس محدودية منظومة تأهيل السجناء نفسياً واصلاحهم وتمكينهم من الاندماج مجددا في المجتمع بعيدا عن الجريمة. لذلك فان محدودية الإصلاح والتأهيل النفسي في السجون العربية تعتبر من الأسباب الصاعدة التي تقف وراء زيادة ارتكاب الجرائم. وتقع المسؤولية أيضاً على السلطات والمجتمع المدني في محدودية اندماج خريجي السجون في المجتمع عبر نقص التأهيل والتوعية والإصلاح الإيجابي، حيث تحفز محدودية جودة بيئة السجون على استمرار تبني ثقافة العنف.

وتقترح دراسات اجتماعية زيادة انتاج رسائل إيجابية بمحتويات مختلفة ومبتكرة لمحاربة دوافع انتشار ثقافة الجريمة التي بينها الاكتئاب والتهميش وانعدام الثقة بالنفس والاهتزاز النفسي وعدم الاتزان ومحدودية النضج المعرفي والسلوكي. اذ تؤدي زيادة التدخل المفرط لمحتوى الانترنت في التأثير على تكوين الذات والشخصية عند البعض خاصة المراهقين الى زيادة رصد نمو الاضطرابات السلوكية نظراً لتراجع كبير لاستهلاك الوعي الفردي أو الجمعي منذ الطفولة لرسائل مباشرة من المحيط القريب أو البعيد محفزة على الإيجابية والتمكين، ما يضع الحكومات والمجتمع المدني تحت طائلة المسؤولية، حيث أن دفق المعلومات المتداول على منصات التواصل الافتراضي خاصة، بات المصدر الرئيسي للمعلومة والمعرفة عند الأطفال والمراهقين والشباب. ويغلب على دفق البيانات المتداولة يومياً تشارك لمعلومات نقدية في بعضها تشويه للواقع واحباط للعزائم وتشارك لتجارب سلبية وفيها دافع على العنف سواء المبرر باسم الحريات أو غير المبرر الدافع على الجريمة والتطرف والإرهاب. وفي ظل تباين القيود الموفرة للتعرض الآمن لدفق المعلومات الضخم يومياً، فقد تزيد نسبة ترسخ ثقافة العنف.

تراجع الرفاه النفسي وزيادة الفساد تُضاعف معدلات الجريمة في العالم العربي

كلما تراجع مؤشر الرفاه النفسي بالنظر لتوفر جودة الحياة ومحدودية القضاء على الفقر، كلما زادت نوازع ارتكاب الجريمة والاقبال على الظواهر السلبية، وكلما ارتفع معدل الفساد تقلّصت مؤشرات انفاذ القانون واحترامه والمساواة عند تطبيقه وهو ما يقود أيضا الى ارتفاع معدل الجريمة، حيث لو يغيب الرادع القانوني تزدهر الجريمة.

وعموماً على مستوى ترتيب أهم الدوافع المباشرة لزيادة انتشار الجريمة[12]، بزر الفقر كأحد أكثر الأسباب الملموسة التي تجعل العرب يرتكبون الجرائم. حيث يُنظر إلى الحرمان الاقتصادي والاجتماعي على أنه محرض رئيسي في هذا الصدد. وفي حال احتساب زيادة الفقراء في العالم العربي بسبب تداعيات كورونا، فقد تكون التوقعات مقلقة حول زيادة نوازع الجريمة. تقول منظمة “اليونيسف” إنه في أي بلد يتفشى فيه الحرمان الاقتصادي من الشائع أن ينخرط الناس في أعمال إجرامية. فالجوع والظروف الاقتصادية السيئة هما أبرز مبررات الكثير من الناس للاضطرار للتورط في قضايا جنائية.

وتأتي الأمراض النفسية وأعراضها كالاكتئاب والادمان على الكحول والمخدرات كثاني أهم دوافع الجريمة. ويمثل ارتفاع نسبة الأمراض العقلية وأعراضها شكلاً جديدا من أشكال القلق في العالم العربي. اذ على سبيل المثال يرتكب العديد من الشباب الجرائم عن غير وعي وارادة بسبب التأثر بأقرانهم الذين ينخرطون في مثل هذه الأفعال. وغالباً ما يغرر بالكثير من المراهقين المتحمسين خاصة تحت وقع تأثير الإدمان او المحول للقيام بأعمال إجرامية عن دون إدراك بخطورتها. الى ذلك تبرز عوامل زيادة الانعزال عن محيط الأسرة التي تراجع دورها في تأطير أبنائها من المراهقين والأطفال.

ولطالما ما يتورط الكثيرون في العادات السيئة تحت تأثير الادمان. حيث يجبر نمط حياة الإدمان المدمن على تبني عادات قد تكون خطيرة على حياته وحياة الآخرين اذ تزيد سلوكيات اللامبالاة وعدم المسؤولية. ويمثل الإدمان على المخدرات مرض يتنامى بشكل سريع الانتشار في العالم العربي.

ويأتي عدم الاستقرار السياسي في الترتيب الرابع بين دوافع الجريمة، حيث وان لم تتم الإشارة كثيرا الى هذا العامل، الا أن الأبحاث تؤكد أهمية دوره في تحديد مسارات نمو الجريمة.

اذ غالباً ما تعاني الدول التي تشهد صراعات سياسية من اقحام السياسيين للعديد من الشباب في صراعاتهم ومدهم بالسلاح والقيام بأنشطة إجرامية في حال الانفلات الأمني والصراع الميداني على غرار اليمن وسوريا وليبيا والصومال والسودان والعراق بالإضافة الى دول أفريقية وجنوب أمريكية.

وصنف الدافع الديني[13] كعامل خامس دافع للجريمة حيث لا يزال جزء من الناس يتقاتلون بسبب الانقسامات العرقية والقضايا الطائفية في المجتمع. ويتم تسجيل استمرار تواجد ظاهرة التعصب والتطرف في العالم العربي مع تفاوت بين الدول والمناطق. وينضاف الى الاختلاف حول فهم الدين ومقاصده، عامل ظروف الأسرة، حيث تمثل الأسرة أيضًا نقطة ضعف لأي شخص على وشك ارتكاب جريمة. فإذا لم يكن الشخص قادرًا على إعالة الأسرة بأكملها، فقد يفكر في وقت ما في السير في الطريق السلبي للحصول على ما تحتاجه أسرته. وهناك العديد من الأشياء التي تحدث داخل الأسرة قد تجبر الشخص على التورط في أنشطة إجرامية. وينخرط العديد من الشباب في أنشطة إجرامية لأنهم يعتقدون أن من مسؤوليتهم رعاية الأسرة حتى لو يكلفهم ذلك ارتكاب جناية.

ويأتي عامل المجتمع كالعامل السابع بين الدوافع المفسرة للجريمة، حيث يفشل الكثير من الناس في إنشاء فاصل بين احتياجاتهم ورغباتهم. ففي مجتمع تقوم فيه حتى الجامعات بتعليم الأطفال لكسب المال بدلاً من إدراك قيمته، لا يمكن للمرء أبدًا أن يقول إن الجرائم لن تُرتكب. وعندما يتباهى الناس بثرواتهم في المجتمع، من الشائع أن يشعر الأشخاص الأقل حظًا بأنهم مضطرون لكسب المزيد.

وتقدمت البطالة أيضاً في تصنيف دوافع الجريمة، وغالبًا ما يكون هذا العامل المتصاعد في العديد من البلدان هو السبب الرئيسي وراء ارتكاب العديد من الأشخاص للجرائم. وفي حال اعتماد هذا العامل بين الدوافع الرئيسية، فقد يكون العالم العربي خاصة الدول محدودة الدخل التي تعاني من ارتفاع كبير لمعدلات البطالة بسبب تداعيات الجائحة مقبلة على مواجهة مخاطر ارتفاع ارتكاب الجرائم بمبرر البطالة. ويمثل فشل البعض في الحصول على وظيفة خاصة بعد سنوات طويلة من الدراسة أمر محبط للغاية. ويدمر معظم الشباب حياتهم المهنية عندما ينخرطون في أنشطة إجرامية في وقت مبكر جدًا من حياتهم.

وأتي الحرمان كسبب رئيسي آخر لزيادة معدلات الجريمة كل يوم. ففي البلدان التي يوجد فيها حرمان اقتصادي حتى من الحقوق الأساسية، من الشائع أن يتمرد الناس وينتقلون إلى القيام بأنشطة على شاكلة العنف والجريمة. علاوة على ذلك، من الشائع أن ينخرط الناس في احتجاجات من أجل المطالبة بتوزيع عاجل للثروة والتنمية والحقوق. ومن أجل إيصال أصواتهم، قد يرتكب بضع الأشخاص جرائم لكي يجلبون انتباه السلطة وأنظار الراي العام المحلي والدولي. خلال قرارات غير شعبية على سبيل المثال، من الشائع أن يقوم بعض الغاضبين بتدمير السيارات والمنازل والممتلكات ليلفتوا انتباه الحكومة بمدى غضبهم.

ويأتي النظام القضائي غير العادل بين أكثر عشرة أسباب دافعة للجريمة. فالأشخاص الذين لا يشهدون تحقق العدالة يصبحون عدوانيين وغالبًا ما ينخرطون في الجرائم.

استنتاجات

تبرز عوامل الفقر وتدني جودة التعليم بين أبرز الأسباب المستجدة المباشرة في تحفيز ارتفاع معدل الجريمة. وعموماً تتلخص أهم الأسباب المشجعة على الاقبال على العنف والجريمة في محدودية سرعة انفاذ القانون وآليات الردع، التهميش وتوسع التفاوت الاجتماعي والطبقي، تراجع جودة التعليم والتدريب على السلوك الإيجابي منذ الطفولة داخل الأسرة والمؤسسات التربوية، المخالطة السيئة والانفتاح على تجربة التواصل الافتراضي دون إدراك مسبق للسلبيات او الإيجابيات، زيادة الإدمان على الانترنت ومحاكاة تجارب الجريمة المشتركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الامراض النفسية والكبت الجنسي.

 

المصدر: مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية MenaCC

الهوامش:
[1] Depression report, World Health Organization, jan 2020, https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/depression, Hannah Ritchie and Max Roser, Mental Health, April 2018, Global Burden of Disease Collaborative Network. Global Burden of Disease Study 2016 (GBD 2016) Results. Seattle, United States: Institute for Health Metrics and Evaluation (IHME), 2017.

[2] Crime Index by City 2020 Mid-Year, https://www.numbeo.com/crime/rankings.jsp
[3] Crime Index by City 2020 Mid-Year, https://www.numbeo.com/crime/rankings.jsp
[4] The Internet in Real Time, https://www.webfx.com/internet-real-time/

[5] Topic Detections in Arabic Dark Websites Using Improved Vector Space Model, September 2012, DOI: 10.1109/DMO.2012.6329790 Conference: 4th Conference on Data Mining and Optimization (DMO), Weforum, It’s not just a place of criminal activity, so what is the dark web?, https://www.weforum.org/agenda/2017/04/the-dark-web-what-it-is-and-what-it-isnt/#:~:text=Dark%20web%20communications%20are%20largely,government%20agencies%20had%20intercepted%20them.

[6] Migration from the Maghreb and migration pressures: current situation and future prospects, ILO, https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—ed_protect/—protrav/—migrant/documents/publication/wcms_201190.pdf

[7] Raja Ashok Bolla, Crime pattern detection using online social media, Fall 2014, https://core.ac.uk/download/pdf/229296541.pdf

[8] Crime Index by City 2020 Mid-Year, https://www.numbeo.com/crime/rankings.jsp
[9] Crime Index by City 2020 Mid-Year, https://www.numbeo.com/crime/rankings.jsp
[10] International Drug Policy Consortium A global network promoting objective and open debate on drug policy,

Middle East / North Africa, regional drug consumption, https://idpc.net/policy-advocacy/regional-work/middle-east-north-africa

[11] OECD/European Union (2018), “Illicit drug consumption among adults”, in Health at a Glance: Europe 2018: State of Health in the EU Cycle, OECD Publishing, Paris/European Union, Brussels. DOI: https://doi.org/10.1787/health_glance_eur-2018-25-en

[12] NetNewsLedger, Top 10 Reasons for Crime, October 8, 2019, http://www.netnewsledger.com/2019/10/08/top-10-reasons-for-crime/

[13] NetNewsLedger, Top 10 Reasons for Crime, October 8, 2019, http://www.netnewsledger.com/2019/10/08/top-10-reasons-for-crime/

 

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 127