تحالف جديد ينشأ بهدوء في الخليج والشرق الأوسط يصدم إيران وتركيا والاخوان المسلمين

لمواجهة هذا التنافس المحموم للسيطرة على مصير المنطقة أحداث مهمة

4 يناير، 2021


ادارة أبحاث المركز

(MenaCC)

4 يناير 2021

الملخص: تشهد منطقة الشرق الأوسط والخليج بالدرجة الأولى ظهور جغرافيا سياسية وتحالفات جديدة. وتشجع على ذلك زيادة الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من المنطقة. وبعد تقلص وهج الطاقة الذي كان يحدد مصلحة التواجد الأمريكي منذ أكثر من أربعين عامًا والمتجه للتراجع، لا تزال الصين المنافس الدولي الأول للولايات المتحدة اليوم على بعد سنوات عديدة من أن تكون قادرة على ملأ فراغ الدور الأمريكي في المنطقة، كما أن القوى العربية ما تزال غير مهيئة لقيادة إقليمية. في المقابل تزيد إيران وتركيا وروسيا من مساعيها لملأ هذا الفراغ حيث زادت قوتها ونفوذها في أنحاء كثيرة من العالم العربي. ولمواجهة هذا التنافس المحموم للسيطرة على مصير المنطقة، تحولت مجموعة من دول عربية وخليجية للتنسيق بشكل علني مع إسرائيل لمواجهة تأثير القوى غير العربية. ويشكل هذا التحالف الناشئ تهديدا مباشرا لإيران وتهديدا غير مباشر لتركيا ولحركة الإخوان المسلمين وداعميها في المنطقة.

وتفضل دول الخليج الاعتماد على علاقاتها الثنائية التقليدية مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بمتطلباتها الأمنية، لكنها تتحوط لمستقبل غير مؤكد من خلال تطوير علاقات جديدة مع الصين، التي لا يعرفونها، ومع روسيا، التي لا يثقون بها. وبذلك فان ظهور مثل هذا التحالف إيجابي للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، لأن منطقة تسيطر عليها إيران أو روسيا أو تركيا لا تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي.

وتعمل دول الخليج على تأمين مستقبل تنميتها في ظل تبلور جغرافيا سياسية إقليمية جديدة أقل استقرارًا وأكثر خطورة مع وجود عدد أكبر من القوى المتنافسة الفاعلة ومستقبل أكثر غموضًا. وبذلك فان مصلحة دول الخليج قد تحتم عليها التوافق مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لمستقبل الأمن والازدهار في ظلّ سيناريو انسحاب أكبر للقوات الأمريكية من المنطقة ما قد يدفعها الى التحالف الناشئ على أساس سلام مقترن بمصالح مشتركة وتهديد مشترك وهو ما قد يقود في النهاية الى تحسين توقعات الأمن الإقليمي وتقليل نظرة الغموض بشأن مستقبل استقرار الشرق الأوسط[1].

التحالف المفترض الذي يضم أغلب دول الخليج والأردن ومصر تلتحق به المغرب والسودان لتنضم اليه على الأرجح بلدان أخرى، يهدف في النهاية –ظاهرياً- لأن يكون له دورًا فاعلًا رائدًا في العالم العربي في الدفاع عن مصالح الدول العربية وإحباط إيران وتركيا من توسيع نفوذهما في المنطقة مع زيادة توفير دعم دولي للمبادرات الدبلوماسية بشأن اليمن والصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في هذا السياق تقتضي فكرة التحالف العمل كحصن ضد إيران وتنسيق السياسة الخارجية العربية ومنع نفوذ القوى الإقليمية غير العربية مثل تركيا[2]. ويعتبر هذا التحالف الذي يتشكل بهدوء استجابة أمريكية وإسرائيلية لمخاوف بعض دول الخليج بالأساس بدرجات متفاوتة من زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة والعالم العربي منذ حرب العراق عام 2003، وكان هذا النفوذ المتصاعد بمثابة مصدر قلق مع زيادة الوجود العسكري الإيراني في سوريا واليمن بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011. وتخشى دول هذا التحالف المفترض مما يسمونه توسع “الهلال الشيعي” الممتد من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان وحتى اليمن.

على صعيد آخر، تتشارك الدول المعنية بالتحالف في عدم ارتياحها مع التفاوت في المواقف من تدخل تركيا في العالم العربي، حيث يرى الكثيرون أن تركيا منافس إقليمي يتطلع إلى إحياء مجد الإمبراطورية العثمانية فضلاً عن دعم وايواء جماعات المعارضة الإسلامية كممثلي جماعة الإخوان المسلمين[3].

الخاسر الأكبر من “تحالف المصالح الخليجية والعربية والإسرائيلية الأمريكية” في حال تشكله سيكون تركيا وإيران التي قد تنخفض حصتهما السوقية في التبادل التجاري مع دول الشرق الأوسط والخليج والمغرب العربي. ومثل هذه السيناريوهات قد تؤثر مستقبلاً على متانة التحالفات الحالية لهذين البلدين مع الدول العربية، وتوفر في المقابل عوامل توتر قد تضغط لتهيئة أرضية مناسبة لاندفاع بعض البلدان للتحالف الجديد التي تشرف على بلورته واشنطن وتل آبيب لحماية مصالحها ومصالح حلفائها في السلام مستقبلاً في مقابل تقديم دعم تفاضلي لتقوية أعضاء التحالف العرب على حساب اضعاف دول أخرى في المنطقة خاصة تلك التي تملك مخططات التحول الى قوى اقتصادية وتجارية وعسكرية إقليمية. ويهدف الحلف الى وضع طموحات كل من إيران وتركيا تحت السيطرة. لكن قد تعارض بعض الدول المعنية بالدخول الى الحلف استهداف ضرب التعاون مع إيران وتركيا لكن قد تكون مضطرة للتحالف المزدوج وهو ما يمثل عائقا أمام نشأة التحالف الذي تهدف اليه واشنطن. إذ أن المصالح متغيرة ورهن المتغيرات الجيو-استراتيجية.

ولا تخفي كل من تركيا وإيران رغبتهما الشديدة في التحول الى قوى مهيمنة في الشرق الأوسط على المستوى التجاري والنفوذ العسكري. وهو ما قد يمثل تصادماً مستقبلياً مع دول أخرى في منطقة الخليج طامحة بدورها الى تنمية قدراتها الاقتصادية والعسكرية. وتحسباً لأي تصادم فان نشأة هذا التحالف قد تحمل رغبة ملحة لدول تحمل رؤية متسامحة وبراغماتية وغير متعصبة تجمع إسرائيل واشنطن بدول خليجية وعربية معتدلة. ويبرر المسوقون لهذا التحالف أنه لا يتعارض مع المنظومة الخليجية الدفاعية المعروفة بـ”درع الجزيرة” بقدر ما سيعزز حصانة دول الخليج ومناعتها الأمنية والاقتصادية على المدى المتوسط.

التنافس العسكري والاقتصادي يحدد مسارات التحالفات في الشرق الأوسط

حاولت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل مغادرتها البيت الأبيض الاستعجال في استكمال مخطط كانت تسعى لتنفيذه في عهدة ثانية لو فاز ترامب. هذا المخطط يتمثل في التوصل الى اتفاق شامل للصراع العربي الاسرائيلي بتحفيز أكثر عدد ممكن من الدول العربية لعقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل. وعلى الأرجح أن يحدد مسار الصراع العربي الإسرائيلي نوعية تجارة السلاح في العالم وفي الشرق الأوسط والتنافس على امتلاك الأسلحة المتقدمة[4]. وهذا التنافس يحدد ملامح الحلف الجديد المتوقع.

وكان مخطط تحفيز الحلفاء العرب للسلام مع الدولة العبرية قائم على تعزيز الولايات المتحدة لمقومات ثبات الأنظمة والاستقرار الداخلي في الدول العربية المعنية بالسلام وتقليص احتمالات التغيير والتأثير الشعبي على مراكز صنع القرار. وحثت إدارة ترامب على انشاء مقومات استقرار طويل المدى في العلاقات بين دول عربية وإسرائيل. وبذلك تعتبر إدارة ترامب أكثر إدارة أمريكية في البيت الأبيض دعمت اللوبي الصهيوني الإسرائيلي وخدمت أهدافه بشكل فاق التوقعات منذ عقود في الشرق الأوسط.

وفي حين بدأت الإدارة الأمريكية سياستها في الشرق الأوسط بالمساهمة بشكل غير مباشر في تصدع الانسجام الخليجي الهشّ آنذاك والضغط بأشكال مختلفة في إعادة ترتيب أولويات التعاون الخليجي على أسس جديدة أبرزها مراجعة التوافق على مقاطعة إسرائيل واستبدال ذلك باتفاقات السلام معها وتوحيد رؤية التهديدات الخارجية المشتركة لدول الخليج وحصرها في إيران وشركائها، ومثل هذا التوافق سيدعم مراجعة أسباب الخلافات الخليجية بضغط أمريكي قوي ويمهد المصالحة بين الخليجيين. الا ان الدور السعودي في دعم التقارب الخليجي يمثل دافعاً أكبر من أي ضغوط خارجية لإنهاء الأزمة الخليجية، حيث تسعى القيادة السياسية في المملكة إعادة تقوية أسس مجلس التعاون بحل للخلافات في البيت الخليجي وتحديد معايير مستقبلية لزيادة التنسيق وتعميق التعاون بما يخدم الشعوب الخليجية ويحصنها من مصادر التهديد المستقبلي، وينسجم مسار الحل التوافقي التي تسعى اليه المملكة خلال اجتماع قمة مجلس التعاون بالرياض مع مبادرة الكويت للمصالحة الخليجية التي أطلقها أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.

وعلى صعيد آخر، عملت الإدارة الأمريكية خلال عهد ترامب على تعزيز عوامل مشتركة جديدة للسياسات العربية لعلّ أبرزها توحيد المواقف المعادية لإيران وشيطنتها مقابل تقريب المواقف تجاه إسرائيل وتطمين العرب وتحفيزهم للتعامل معها على أساس الاستفادة بغطاء الدعم الأمريكي في قضايا مختلفة والدخول في حلف جديد تقوده أمريكيا في الشرق الأوسط بمعية إسرائيل ضد الدول التي قد تشكل تهديدا لمصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة والعالم العربي.

وعلى الأرجح أن يدعم تعاون الدول العربية مع إسرائيل في ظل الغطاء الأمريكي المستمر على الأرجح في عهد بايدن حصول الحكومات على أحدث التكنولوجيات قد يكون أبرزها في مجال الأمن والاستخبارات. وقد تهدف بعض الدول العربية للاستفادة من ذلك في تجنب مختلف التهديدات واستباق المخاطر.

وتعتبر منطقة الخليج منطقة ازدهار واعدة تغري رغبة التقارب الإسرائيلي نحوها بالنظر لتسارع النمو الاقتصادي وتحسن التنمية البشرية، حيث تعتبر دول مجلس التعاون قوة إقليمية صاعدة تسعى إسرائيل الى تبادل مصالح اقتصادية معها على أساس الندية والاحترام والمتبادل واحترام السيادة وخصوصية مركزية القضية الفلسطينية. الا أن المصالح الاقتصادية التي قد تجمع الدول الخليجية بإسرائيل بفضل الإمكانات الهائلة لكلا الطرفين لا يمكنها في الوقت نفسه حسب إشارات مختلفة من بيانات الدول الخليجية أن تكون على حساب تهميش الحوار حول حل عادل للقضية الفلسطينية وهو ما تؤكد عليه بيانات قادة مجلس التعاون الخليجي سنوياً في كل قمة للمجلس.

 

2021 ©  مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية MENACC

الهوامش:

[1] William F. Wechsler, Kirsten Fontenrose, Marc J. Sievers, Jonathan H. Ferziger, Barbara Slavin, Carmiel Arbit, Michel Duclos, Richard LeBaron, Mark N. Katz, Thomas S. Warrick, Sina Azodi, Joze Pelayo, Experts react: US brokers another deal in Middle East with Israel and Bahrain, FRI, SEP 11, 2020, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/experts-react-us-brokers-another-deal-in-middle-east-with-israel-and-bahrain/

[2] Taylor Luck, In Arab world, a new alliance is on the rise,  February 13, 2019, AMMAN, JORDAN, https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2019/0213/In-Arab-world-a-new-alliance-is-on-the-rise

[3] Taylor Luck, In Arab world, a new alliance is on the rise,  February 13, 2019, AMMAN, JORDAN, https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2019/0213/In-Arab-world-a-new-alliance-is-on-the-rise

[4] Hirsh Goodman, W. Seth Carus,The Future Battlefield and the Arab-Israeli Conflict, https://books.google.tn/books?id=dk2YEnnYPXgC&pg=PA74&lpg=PA74&dq=future+of+israel+export+trade+with+arab&source=bl&ots=ZFQbYBlhHS&sig=ACfU3U1YI8LrVs45XWXuusN3KDmfTkuMRw&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiGiOGFtc_tAhWM66QKHYfpCkE4HhDoATARegQICBAC#v=onepage&q=future%20of%20israel%20export%20trade%20with%20arab&f=false

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 1٬143