إيران هل امتلكت أخيرا القنبلة النووية؟

بعد اغتيال المسؤول النووي، طبيعة المهمة الأخيرة لإسرائيل في العمق الإيراني أحداث مهمة

6 فبراير، 2021


ادارة أبحاث المركز

MenaCC

الكويت، 6 فبراير 2021

الملخص التنفيذي : ترجح أبحاث مكثفة في أنشطة إيران النووية وعلاقاتها مع حلفائها الدوليين احتمالات استفادة النظام الإيراني من عملية نقل لتكنولوجيا نووية معقدة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية عبر مراحل قد تكون امتدت لأكثر من عقدين. وحسب خلاصة تقارير استخبارات دول عدة، فان إيران تطور المراحل النهائية لتكنولوجيا توليد الوقود النووي في مفاعلات أبرزها مفاعل (فوردو) تحت الأرض في المدينة الإيرانية المقدسة بقم العاصمة الدينية والروحية للنظام.

وقد دقت إسرائيل ناقوس الخطر حول قرب امتلاك إيران لأسرار السلاح النووي، في اعتقاد راسخ ان النظام الإيراني بدعم روسي وصيني يصرّ على امتلاك سلاح ردع لموازنة مستقبل القوى في المنطقة خاصة بعد تشكل الحلف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي الذي يهدد أكثر مساحات نفوذ روسيا والصين في الشرق الأوسط. خلاف المحاور الكبرى وتصادم القوى العظمى تستفيد منه إيران لتسريع امتلاك سلاح الردع مصدر التهديد المستقبلي للخليج بشكل كبير في عهد الديمقراطيين.

ولاستباق مخاطر تطوير إيران المراحل الأخيرة لتوليد الوقود النووي، تسعى إسرائيل جاهدة الى تنفيذ مهمة لم تعد مستحيلة في العمق الإيراني وهي تدمير قاعدة المعلومات النووية أو سرقتها بالكامل من خلال تعاون محتمل مع عملاء لها في الداخل قد يكون بعضهم من داعمي معارضة النظام أو الحاقدين عليه لأسباب عديدة. وقد تم استهداف أكثر من منشأة نووية إيرانية بأعمال تخريبية كمفاعل بوشهر ونطنز وأغلب مصادر الأعمال التخريبية الكترونية. ويسعى الموساد على الارجح لاختراق نقاط الاتصال بين إيران والمخابرات والروسية والصينية من اجل عرقلة أي مسار محتمل لتطوير القنبلة النووية.

ويكشف رصد المركز (MenaCC) لتوقعات المخاطر بعد التحقيق في تقارير بحثية تناولت تحركات إسرائيل في السنوات الأخيرة الرامية لتقليص تهديدات ايران، أن اغتيال العالم النووي الايراني محسن فخري زاده قبل أشهر والتي أكدت ايران مسؤولية الموساد عليه، لم تكن الا مقدمة لمحاولة اختراق برنامج ايران النووي عبر استهداف العلماء وسرقة بيانات نووية ومحاولة تدمير الجزء الأكبر من مخزون ايران من اليورانيوم المخصب التي استأنفت رفع درجة تخصيبه الى نسبة 20 في المئة مع مخاوف جدية من أن تكثف وتيرة التخصيب مستقبلاً في ظل احتمال قدوم رئيس جديد من المحافظين المتشددين مع اقتراب الانتخابات الرئاسية صيف هذا العام، وهو ما قد يدعم فرضية وصول ايران الى المراحل الأخيرة قبل امتلاك السلاح النووي.

وكانت إيران أعلنت أنها تخطط لتركيب 1000 جهاز طرد مركزي جديد في منشأة نطنز النووية[1] بحلول الربيع وأن علماءها تجاوزوا الأهداف السابقة لتخصيب اليورانيوم في الأثناء تسارع الحكومة الايرانية وتيرة العمل على الانتهاء من مفاعل نووي تحت الأرض بالقرب من مدينة قم للتوقي من ضربات جوية أمريكية. ومثل هذا الاجراء الوقائي يثير قلق إسرائيل ويزيد من غموض مسار البرنامج النووي الإيراني.

وتصف استخبارات الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا خطط إيران النووية بأنها مقلقة للغاية وقد تكون بلغت مستويات قد تؤدي إلى تطوير أسلحة نووية، في حين تؤكد استخبارات اسرائيل أن إيران على بعد خطوات قليلة من صنع القنبلة النووية وأنها امتلكت التقنيات اللازمة لصناعة السلاح النووي[2].

وترجح بعض الأبحاث ان إسرائيل التي تعي جيدا ان النظام الإيراني يعمل لأجل امتلاك سلاح نووي كسلاح ردع، ستحاول اما تخريب تقنيات تشغيل المفاعلات النووية او مزيد من اغتيال علماء بارزين أو توجيه ضربة لمواقع نووية.

التبرير العلني لإسرائيل والعديد من مؤيديها لأي هجمة مستقبلية على أهداف نووية إيرانية في حال لم تقم بذلك الولايات المتحدة هو أن النظام الثيوقراطي الإيراني ملتزم بتدمير إسرائيل، بحيث تشكل القنبلة الإيرانية خطراً على وجودها[3]. وعلى الرغم من أنه لا يزال غير مؤكد ما إذا كانت طهران ستتخذ القرار النهائي لبناء أسلحة نووية، فقد طورت مجموعة من التقنيات، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم وتصميم الرؤوس الحربية وأنظمة الإطلاق، والتي من شأنها أن تمنحها هذا الخيار في إطار زمني قصير نسبيًا. وتصر طهران على أن أنشطتها النووية سلمية بالكامل[4]

ورجحت التوقعات الإسرائيلية أن طهران يفصلها عن القنبلة سنة فقط.  الا أن وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكين في اول تصريح له حذر من أن إيران ستكون على بعد أسابيع فقط من بناء قنبلة نووية إذا استمر التخصيب في مساره الحالي. وتعتبر إسرائيل أكثر الدول التي حذرت العالم حول قرب إيران من امتلاك السلاح النووي، دون ردود إيرانية حول هذه المزاعم. وحث في الوقت نفسه مجلس الأمن الدولي إيران على الامتناع عن اتخاذ المزيد من الإجراءات وتقنيات تخصيب اليورانيوم وتقليل التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 في اعتراف أممي بامتناع النظام الإيراني عن التزاماته بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي[5].

وبزيادة إيران نسبة التخصيب زادت مخاطر انتاج وقود نووي يمكن استخدامه في أسلحة دمار شامل. وحذر بعض العلماء من أن عملية التخصيب معقدة وصعبة وتطلب توفير أحدث تقنيات التخصيب المتمثلة في أجهزة الطرد المركزي التي باتت تملكها على الأرجح إيران. يمكن أن تحتوي مصانع التخصيب عشرات الآلاف من أجهزة الطرد المركزي المقترنة معًا لإنتاج الوقود لمفاعلات الطاقة النووية عند اذ يمكن بسهولة إنتاج مواد للأسلحة النووية، وهذا هو السبب في أن مثل هذه المنشآت تشكل مخاطر انتشار نووي وتحتاج إلى حماية صارمة، ويمكن للدول أيضًا استخدام البلوتونيوم لصنع قنبلة نووية، لكن لا يوجد ما يشير إلى أن إيران تمتلك كمية كبيرة منه[6].

حقيقة امتلاك القنبلة شائعات تستفيد منها إيران لدعم موقفها في التفاوض

تكشف وثيقة إسرائيلية منذ 2009[7] نوايا سرية جدية للنظام الإيراني في امتلاك تقنيات تطوير الطاقة النووية الى رؤوس أسلحة نووية قد تمثل تهديدا لإسرائيل ودول الخليج. مثل هذه المعلومات والأخبار التي تروج حول العالم يستفيد منها النظام بشكل كبير. حيث تدعم بروباغندا غير معلنة وحملة من الشائعات تسهم في ترويجها أجهزة الدعم المعنوي الإيرانية لنقل مخاوف للرأي العام الدولي حول حصول إيران أخيرا على مواد لصنع قنبلة نووية، حيث لم تنفي أو تؤكد هذه الأخبار والشائعات التي راجت في الصحف العالمية، ما يدعو الى الاعتقاد بأن النظام الايراني يستفيد من تضخيم تهديداته حتى يحصد أكثر استفادة ممكنة من احتمال عودة التفاوض مع الغرب حول البرنامج النووي خاصة مع إشارة إيجابية من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن حول إعادة التفاوض.

زيادة الخلاف بين القوى العظمى في المنطقة يعزز مسار نقل تكنولوجيا نووية الى إيران

 

تحاول الولايات المتحدة وروسيا والصين بعيداً عن ضجة الاعلام بشكل غير مباشر إعادة ترتيب توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط بدل مواجهة مصير التصادم الحتمي في حال استمر استقطاب دول المنطقة ضمن تحالفات دولية مضادة.

وأصبحت روسيا والصين تهتم بشأن الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى في ظل تحدي النفوذ الأميركي في المنطقة، حيث تصاعدت مخاوف إسرائيلية من تمكين جهات حكومية أو غير حكومية روسية أو صينية النظام الإيراني من تقنيات نووية بطرق شرعية أو غير شرعية، من أجل تعزيز قوة إيران في مواجهة توسع النفوذ الإسرائيلي المتنامي بدفع أمريكي في المنطقة.

وتعتقد كل من روسيا والصين أن دعمهما لإيران لا يقوض التزاماتها الدولية مع الولايات المتحدة في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل والحد من مخاطر حصول الإرهابيين على مواد نووية قابلة للاستخدام في الأسلحة، حيث أن السياسات الروسية والصينية تصنف إيران خارج دائرة الإرهاب. رغم الإعلان عن استمرار التعاون الأمريكي والروسي والصيني في مجال مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، الا أن مثل هذا التعاون الأمني النووي بين موسكو وواشنطن بشكل خاص لم يعد موجودًا، وقد يبرر ذلك بالتراجع الحاد في العلاقات الأمريكية الروسية منذ ضم موسكو لشبه جزيرة القرم عام 2014، مع فرض واشنطن عقوبات في عام 2014 رداً على العدوان الروسي على أوكرانيا وصولاً الى اتهامات موسكو لواشنطن بالتدخل في شؤونها عقب انتقادات أمريكية لاعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني. وتجعل مثل هذه المؤشرات ومتغيرات أخرى من الصعب عكس اتجاه تراجع التعاون الأمريكي مع روسيا والصين في مجال منع انتشار الأسلحة النووية.

الصين وروسيا تسعى لتقوية إيران ضد التحالف الأميركي الخليجي الإسرائيلي

طيلة السنوات الأخيرة، وخاصة مع الانكماش الحاد في العلاقات الثنائية، تصرفت موسكو وبكين بشكل متزايد كشريكين لواشنطن في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل لكن هذا لم يمنع زيادة المعارضة الروسية الصينية لسياسات البيت الأبيض فيما يتعلق بمكافحة انتشار الأسلحة النووية. وبزرت المعارضة بشكل واضح فيما يتعلق بإيران وبرنامجها النووي الذي يثير خلافات قوية. اختارت روسيا والصين دعم إيران بشكل وثيق وأصبحتا المدافعين الرئيسيين عنها في معظم قضايا الخلاف النووي وغيره.

وقد بدأ النظام الايراني منذ أكثر من عقدين مساعي تطوير الطاقة النووية من خلال تكوين وتدريب فريق علماء وخبراء واسعي المعرفة بالأسرار النووية وعلى الارجح أن يكونوا تلقوا تدريبات في مختبرات روسية وصينية في ظل تبادل الخبرات بين إيران وهذه الدول الصديقة وفق مذكرات تعاون تربط هذه الدول. الى ذلك تفيد نتائج البحث أن إيران قد تكون فعلا خصبت ما يكفيها من مادة اليورانيوم بواسطة أجهزة طرد مركزي قد تكون حصلت عليها بطرق مختلفة بتقنيات صينية أو روسية.

ويرجح تحليل المخاطر لمركز MENACC أن تسارع إيران الخطى للحصول على سلاح الردع النووي الذي يطمح له الحرس الثوري الإيراني، حيث ان النظام في طهران يعلم جيدا أن لا قوة تحميه من التحالف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي الا امتلاك سلاح ردع قوي، وهو ما يدفع طهران الى تكثيف عمليات تجاربه السرية تحت إدارة خبراء وعلماء غير معلومين للراي العام ويتمتعون بأعلى درجات الحماية وقد يكونون غير كثيري التنقل من اجل تأمينهم من مخاطر الاغتيال أو الاستهداف من إسرائيل.

ومن غير المستبعد أن النظام الإيراني يلعب منذ سنوات دور وكيل الصين وروسيا في المنطقة حيث ترعى هذه الدولتين نقل المعرفة والتكنولوجيا والسلاح الى إيران ضمن اتفاقيات مبرمة، الا أن الأخطر من ذلك أنه وان كانت الصين وروسيا لا تعترفان علناً بدعم إيران نووياً الا أن التعاون العلمي بين هذه الدول يكفي لتطوير خبرات إيرانية محلية قادرة على تطوير مسار امتلاك القنبلة النووية لكن تحت سيطرة ورقابة روسية صينية، حيث تبقى إيران خاضعة للوصاية الصينية الروسية والتي تحرص على استقرار قوة النظام الإيراني وحلفائه في المنطقة لمقاومة تمدد قوة الحلف الأمريكي الخليجي الإسرائيلي الصاعد. وقد باتت محاولات توسيع تمدد النفوذ الروسي الصيني في المنطقة واضحة ومكشوفة للأمريكيين والتي تقلق تسارع وتيرتها الديمقراطيين في واشنطن. على صعيد آخر تحاول كل من الصين وروسيا كل على حدى كبح جماح نمو الطموح الإسرائيلي في المنطقة عبر تعزيز قوة ايران المناوئة لهذا الطموح، حيث تعتبر طهران منذ سنوات طويلة وكيل تمدد نفوذ روسيا والصين في الخليج والشرق الأوسط في مقابل حصول النظام الإيراني على الدعم العسكري والاقتصادي.

ومن الملاحظ أن تزيد حدة مواجهة القوى العالمية في الشرق الأوسط على المدى القريب في ظل صراع على النفوذ وشبكة توزيع وإنتاج للطاقة، كما تتنافس هذه الدول على منافذ التجارة العالمية والتي تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وآسيا أهم المناطق الحيوية للتجارة العالمية، ولا تخفي الصين نيتها في استكمال مشروع الحرير العابر للحدود ومنطقة الشرق الأوسط كما لا تخفي روسيا نواياها في تعزيز نفوذها في المنطقة.

 

2021 ©  مركز الشرق الأوسط للاستشارات الاستراتيجية والسياسية  (MenaCC)

الهوامش:

[1] TOI STAFF and AGENCIES, Iran says it will install 1,000 centrifuges at nuclear plant in next 3 months, 29 January 2021, New equipment to be set up at Natanz enrichment facility; Iranian official says its scientists have exceeded expected output of enriched uranium, https://www.timesofisrael.com/iran-says-it-will-install-1000-centrifuges-at-nuclear-plant-in-next-3-months/
[2] Sune Engel Rasmussen, Laurence Norman, Iran’s Nuclear Program: How Close Is Tehran to Developing Nuclear Weapons?, https://www.wsj.com/articles/iran-nuclear-program-11610564572
[3] Leonard Weiss, Israel’s Future and Iran’s Nuclear Program, Dr. Weiss is an affiliate of the Center for International Security and Cooperation, Stanford University, and a consultant to the Lawrence, Livermore National Laboratory, The Author Journal Compilation, 2009, https://www.files.ethz.ch/isn/123392/2009_11_Israel_Iran.pdf[4] Kelsey Davenport, Nonproliferation Policy, (202) 463-8270 x102, January 2021, https://www.armscontrol.org/factsheets/Timeline-of-Nuclear-Diplomacy-With-Iran
[5] SECURITY COUNCIL, Iran Must Refrain from More Action to Reduce Commitments under 2015 Nuclear Deal, Under-Secretary-General Tells Security Council, SC/14400, 22 DECEMBER 2020, https://www.un.org/press/en/2020/sc14400.doc.htm
[6] ELLIOTT NEGIN, Ask a Scientist: Iran and the Bomb: Some Factors to Consider, JANUARY 6, 2021,https://blog.ucsusa.org/elliott-negin/ask-a-scientist-iran-and-the-bomb
[7] Leonard Weiss, Israel’s Future and Iran’s Nuclear Program, First published: 14 September 2009 https://doi.org/10.1111/j.1475-4967.2009.00405.x

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 491