13 يوليو، 2022


–         بايدن يسعى لتوازن قوى لصالح إسرائيل ثم دول الخليج والشرق الأوسط لمواجهة إيران

–         تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على عملية السلام في الشرق الأوسط

–         توقعات رؤية بايدن لاستقرار الشرق الأوسط: ترويج سلام زائف يجمع إيران وجيرانها الخليجيين وإسرائيل والفلسطينيين

–         منظومة الاستتباع الأميركي في الخليج في تراجع

–         أميركا عليها اثبات مصداقية سياساتها تجاه دول الخليج

–         سباق التنافس الدولي على استقطاب إيران

–         زيادة التعهد بالتزام اميركا تجاه أمن حلفائها في الشرق الأوسط

–         محاولات أمريكية لتعزيز الثقة المهتزة

–         أولوية بايدن: زيادة تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط

–         قطع الطريق أمام روسيا لاستثمار اضطراب امدادات الطاقة من الشرق الأوسط

–         ضمانات أمريكية لإيران

–         ضمانات أمريكية لمخاوف خليجية أمنية

–         رهان أمريكي على تحسين العلاقات مع السعودية

–         إيران تبتز الغرب وروسيا

–         حرب باردة حول النفوذ في الشرق الأوسط وتراجع فرص استمرار سياسة الاستتباع الأمريكي

–         أزمة ثقة بين واشنطن ودول الخليج

–         السلام مقابل الانسحاب العسكري الأمريكي من الشرق الأوسط

–         الانسحاب مرتهن بتقليص نفوذ إيران في العراق وسوريا وتجفيف منابع الارهاب

–         بايدن يسعى لإنهاء دوافع الصراع في الشرق الأوسط قبل سحب القوات العسكرية منه

–         سياسة بايدن في الشرق الأوسط: أولوية فض الحروب

–         ضغط صهيوني ويهودي لتجنب فكرة الانسحاب الشامل

 

ادارة أبحاث المركز

MENACC

13   يوليو 2022

ملخص البحث: لا ينوي الرئيس الأمريكي جو بايدن على الأرجح خلال زيارته للسعودية الضغط على دول خليجية أخرى لإعلان تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بقدر ما يسعى لإعلان توافقات حول تصوّر لاستقرار مؤقت يفضي لخارطة طريق تمهد لسلام صعب في الشرق الأوسط. تصور تُعدّ له إدارة بايدن على الأرجح منذ أشهر ومن المحتمل أنه خضع لتعديلات بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. الا أن خطة بايدن للسلام في الشرق الأوسط محفوفة بالمخاطر والتحديات وقد تفرض على واشنطن تقديم تنازلات قد تستفيد منها دول الخليج.

رؤية بايدن لاستقرار الشرق الأوسط من المنتظر أن تحاول استيعاب التناقضات والمخاطر والمخاوف المحتملة وذلك من أجل خفض احتمالات نشوب صراع عسكري أو تهديد مباشر يطال حلفاء واشنطن وامدادات الطاقة على المدى القريب. الا أنه هذه الرؤية تناقض تصورات الرئيس الحقيقية للشرق الأوسط والتي كان أعلن معالمها خلال حملته الرئاسية. وبذلك فان أفكار بايدن المقترحة لاستقرار الشرق الأوسط قد تصبح نسخة معدلة لصفقة القرن التي أعلنها الرئيس السابق دونالد ترامب.

لكن من المتوقع أن تكون مفاوضات الرئيس الأمريكي مع زعماء الشرق الأوسط والخليج أصعب من تلك التي خاضها ترامب وقد تكون الأصعب على الاطلاق أكثر من أي وقت مضى، وذلك بسبب احتدام تناقض الرؤى الأمريكية والشرق الأوسطية للمصالح المشتركة على المدى القريب. وخلال جولته في الشرق الأوسط، من غير المستبعد أن تتعرص إدارة بايدن لضغوطات كبيرة تصل درجة الابتزاز غير المباشر.

حسب تقرير بحثي أعده مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC) فان توافقات السلام المحتملة التي تعكس رؤية بايدن الجديدة لاستقرار الشرق الأوسط، قد تحمل حلولاً مؤقتة لصفقة سلام قد يكون زائفاً بسبب عدم جدية الضمانات المتوقعة. صفقة السلام التي يخطط البيت الأبيض على الأرجح اعلانها هذا الصيف من السعودية قد تصطدم بأزمة ثقة بين دول الشرق الأوسط والإدارة الأمريكية الحالية. فرغم اهتمام الادارة الأمريكية بتحسين مناخ الثقة مع حلفائها في المنطقة، الا أنها قد لا توفر حلولا حاسمة للتهديدات المحدقة بدول الخليج على سبيل المثال وقد لا تنوي تأخير استكمال مشروع انسحاب الجيش الأمريكي من قواعده في الشرق الأوسط والخليج، وذلك بسبب تغير خارطة أولوية انتشار القوات الأمريكية في الخارج وتركزها في شرق أوروبا وبحر الصين الجنوبي.

علاوة على ذلك فان التحركات الروسية والصينية الميدانية وتعزيز قدراتها الهجومية تدفع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لدراسة جل احتمالات التصعيد وكيفية مواجهته وهو ما يستدعي فرضية تحديث مستمر في توزيع قواتها وامكانية سحب أكبر من أفراد الجيش المتمركزين في القواعد العسكرية بالشرق الأوسط.

هذه المتغيرات الجيو استراتيجية التي تحتمها احتمالات صراع بين القوى العظمى طالت تداعياتها بيئة السلام المضطربة في الشرق الأوسط، حيث من شأنها أن تؤثر على أي اتفاق سلام حاسم دون الحصول على ضمانات من أغلب القوى الدولية المتنافسة. اذ أن فكرة صفقة قرن جديدة معدلة قد يحمل تفاصيلها بايدن خلال جولته للشرق الأوسط قد تصطدم بدورها بمحاولات روسية للتأثير على شركائها في المنطقة لتجنب الرضوخ لرؤية سلام أمريكية أوروبية مفروضة من طرف واحد، مع زيادة دعم موسكو لحصول إيران خاصة في أي مفاوضات مع الغرب على ضمانات قد تكون مجحفة لواشنطن والعواصم الأوروبية. وهو ما اتضح جلياً في اخفاق جهود احياء المباحثات بين الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة وإيران حول برنامجها النووي.

ولعل ما أوضحه بايدن في مقاله الأخير بصحيفة “واشنطن بوست” حول أهداف جولته للشرق الأوسط وزيارته للسعودية لا يأتي لإعلان فصل جديد في العلاقات كما يتم الترويج لذلك، بقدر ما يندرج ضمن مفاوضات حول مصالح متبادلة مؤقتة تحتمها الظرفية الحيوية التي يمر بها الغرب والحاجة لتعزيز المصالح الأميركية المهمة. وهذا ما قد يوفر فرصة كبيرة للسعودية والدول العربية الأخرى من أجل الضغط على واشنطن من اجل دعم لتسوية قضايا كثيرة كالتهديدات الإيرانية والأزمة اليمنية والسورية والقضية الفلسطينية والعلاقات مع اسرائيل.

ومن المرجح اعلان تفاهمات أمريكية مع دول الخليج وإسرائيل وإيران وبقية دول الشرق الأوسط والتي من شأنها أن توفر تسوية للخلافات الشائكة والملحّة بين الدول الحليفة لواشنطن[1]. مع ترجيح موافقة بايدن على زيادة منح ضمانات أمنية ومساعدات مختلفة وصفقات تسليح وتعاون لوجيتسي كمبادرة حسن نوايا تجاه دول المنطقة بهدف اعادة كسب ثقتها، ما يجعله على الأرجح الاتفاق الأكثر كلفة في تاريخ الحكومات الأمريكية.  ومن غير المستبعد أن تضغط الرياض على واشنطن من أجل سلام عادل ودائم في المنطقة يعطي أولوية لتعزيز القدرات الدفاعية الخليجية ومنع امتلاك إيران للسلاح النووي وحل القضية الفلسطينية والحصول على دعم دولي لحل سياسي في اليمن وتجريم أنشطة الحركات السياسية المسلحة والجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط. كما قد تكون زيارة بايدن فرصة تاريخية للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل إقرار سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتعزيز التقارب والتوافق الإسرائيلي العربي. كل ذلك قد يكون ضمن اتفاق يشكل استكمال رؤية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لدعم الاستقرار في الشرق الأوسط.

الاتفاق قد يصنّف على شاكلة نسخة معدلة وموسّعة لصفقة القرن التي أعلنت عنها سابقاً في 2020 ادارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لإحلال السلام في الشرق الأوسط. أولوية توفير استقرار في هذه المنطقة حتمتها ظروف الحرب الأوكرانية وتداعيات الجائحة والتي وفرت متغيرات جديدة منحت الأهمية مرة أخرى لدول المنطقة والخليج خاصة باعتبارها من أهم منتجي الطاقة عالمياً وبمثابة عامل استقرار قوي لأسعارها.

في خضم ذلك، لا تستبعد التحليلات أن يسعى بايدن لدفع استقرار أسواق الطاقة العالمية بأي ثمن لمنع انهيار اقتصادي وشيك لاقتصادات الغرب. ومن خلال الاشراف على صفقة سلام تمنع شبح الحرب في أهم منطقة منتجة للطاقة في العالم، تهدف إدارة بايدن للدفاع عن دور الولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي والضامن لاستقرار الاقتصاد الدولي فضلاً عن التمسك باستمرار دور واشنطن الحيوي في الشرق الأوسط والحفاظ على تحالفات قوية هناك. مهمة قد لا تبدو يسيرة على غرار النجاح الذي حققه البيت الأبيض في تعزيز علاقاته مع دول القارة الأوروبية أخيراً. حيث نجحت واشنطن في اخضاع أوروبا لخياراتها الاستراتيجية تحت مظلة منظمة حلف الشمال الأطلسي وذلك بإيجاد تهديد مشترك يتمثل في روسيا والصين. أما المهمة قد تكون عسيرة في الشرق الأوسط في ظل تحييد واشنطن لإيران من تصنيف التهديد المشترك والترويج لها كشريك محتمل تلزمها شروط الاتفاق النووي الذي تسعى لإحيائه. لذلك فان غياب تهديد مشترك قد يصعب مهمة البيت الأبيض في توحيد مواقف دول المنطقة وتكامل سياساتها بعد ان اعتاد بناء التحالفات على تهديد مشترك.

خطة السلام الأمريكية الموجهة لدول الشرق الأوسط تهدف لزيادة تقريب وجهات النظر بين الدول حول المصالح المشتركة وفتح أسواق أمامها وزيادة تحفيز حصصها في الأسواق الدولية. وهذا الاهتمام بمنح فرص أكبر لاقتصادات الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي يهدف لعرقلة توسع نفوذ ومصالح روسيا والصين في المنطقة. ومن غير المستبعد أن يتغير مفهوم الولايات المتحدة لحافز السلام في الشرق الأوسط من تجميع الفرقاء حول مواجهة تهديد مشترك الى تجميعهم حول مصلحة مشتركة، حيث من المرجح أن يغلب الطابع الاقتصادي على السياسي في المفاوضات، وهو النهج نفسه الذي اتبعته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب لكن مع إبقاء التهديد المشترك المتمثل في إيران، وهو ما يختلف حوله بايدن المتمسك بسلام مع النظام الايراني.

محاولة احتواء الخطر الإيراني

تكشف نتائج بحث تحليلي لمركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC) تفاصيل رؤية بايدن للسلام في المنطقة وأنها لن تختلف كثيراً عن رؤية إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب لكن مع رغبة في إعادة صياغتها وتعديل بسيط يتمثل في احتواء الخطر الإيراني باتفاق دولي واقليمي معها. كل ذلك قد تفرج عنه القمة الأمريكية الشرق الأوسطية المنتظرة في الرياض منتصف الشهر الجاري بحضور بايدن. والهدف على ما يبدو محاصرة الغرب للنفوذ الروسي الصيني المتصاعد في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى تفادي صراع إسرائيلي إيراني وشيك وتجنب أزمة امدادات طاقة عالمية تتكبد تداعياتها الكبرى بالدرجة الأولى أوروبا والولايات المتحدة في حال استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا.

على صعيد آخر، تسعى أميركا من جهة للضغط على إسرائيل وتفهم هواجسها الأمنية، ومن جهة أخرى استيعاب المطالب الإيرانية من أجل تفادي حرب في المنطقة بأي ثمن لأن تداعياتها كارثية على أسواق الطاقة وامدادات السلع على المدى القريب. كما لا تستبعد واشنطن محاولة تحسين مناخ الثقة مع السعودية. كل هذه الملفات والتفاهمات المحتمل التوصل اليها لاتزال قيد دراسة ادارة بايدن على الأرجح وترصد متغيرات ظروف الحرب وأسواق الطاقة وآثار الجائحة المستمرة والضغوط الشعبية الغربية ومدى تطور موجة التضخم وما ستؤول اليه أزمة نقص الغذاء في العالم.

التفاهمات التي ترجو واشنطن التوصل لها يمكن تصنيفها بـ”اتفاقيات الضرورة” التي تحتمها خاصة رغبة أمريكية في زيادة الضغط على روسيا من خلال خفض درجة تقارب موسكو مع الدول العربية والشرق الأوسطية. وعلى الأرجح أن تفضي رؤية بايدن للسلام في الشرق الأوسط الى نسخة أخرى من توافقات سلام زائف روجت له سابقاً إدارة ترامب[2] وقبله الرئيس الأمريكي باراك أوباما. لكن هذه الرؤية قد تفترض تقديم عدة تنازلات أمريكية وغربية وان بشكل مؤقت. فمن المتوقع أن تشمل التفاهمات المتضمنة في اتفاق السلام الزائف والمؤقت المحتمل: دعم نشأة تحالف عربي إسرائيلي اقتصادي ودفاعي استكمالاً لصفقة القرن مع توقع ضغط أمريكي لزيادة تطبيع علاقات دول عربية مع إسرائيل، بدء مفاوضات سلام إسرائيلية فلسطينية بضمانات دولية، وزيادة منح دول عربية أفضلية في الأسواق الدولية.

اتفاق السلام التي ترغب واشنطن في إعلانه من الرياض قد يكون جزء من بروباغندا أمريكية تسعى على الأرجح لتجاوز الخلافات والتعقيدات التي تحول دون زيادة انتاج الطاقة وبشكل مؤقت، كما تمثل زيارة حيوية من أجل ضرورة ملحة تتمثل في مجابهة تمدد النفوذ الروسي والصيني المتسارع في المنطقة والمستفيد من حالة الشعور بالامتعاض من تصريحات سابقة لبايدن تجاه الخليج، فضلاً عن واقع الاستقطاب والتوتر التي تمر بها علاقات هذه الدول الباحثة عن مصالحها الوطنية وتخفيف وطأة تداعيات أزمة عالمية مزدوجة تتعرض لها بسبب آثار جائحة فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية على اقتصاداتها.

في المقابل هذه الزيارة، سارعت روسيا للإعلان عن قمة مرتقبة تجمع الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني ونظيره التركي في طهران تزامنا مع جولة بايدن الشرق الأوسطية، وهو ما يتم وصفه برسالة واضحة بعثها الكريملن من أجل تأكيد إصرار موسكو على تعزيز تحالفاتها في الشرق الأوسط، وهو ما سيأجج سباق الاستقطاب والتنافس على المصالح بقدر الرغبة في تحقيق سلام عادل يشمل أغلب الدول العربية كما تروج لذلك واشنطن.

ومن خلال تصريحات مسؤولي البيت الأبيض تهدف رؤية بايدن للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط الى ارساء تفاهمات حول تعزيز الأمن والاستقرار بشأن إيران وسوريا واليمن والعراق[3]، حيث يستمر البحث عن تصورات لحلول مؤقتة لدعم استقرار هذه الدول على المدى القريب. حلول قد تكون على شاكلة مساعدات اقتصادية ولوجستية وعسكرية، علاوة على مساع حثيثة لإحراز تقدم في مفاوضات تهدف لتوقيع اتفاق نووي مع طهران يخرجها من دائرة العقوبات المفروضة منذ سنوات، في المقابل منح تسهيلات أكبر للسعودية في التحول لقوة اقتصادية وعسكرية إقليمية ودعم التقارب السعودي الإيراني بإيجاد مساحات تفاهم. وان تسعى لتوفير فرص سلام حذر بين الإيرانيين والسعوديين، الا ان ادارة بايدن قد تكون غير قادرة على تقديم حلول لأهم معضلة في المنطقة والمتمثلة في القضية الفلسطينية، حيث لا ينتظر تغير جذري في مواقف الولايات المتحدة والتي بدورها حسب بعض المراقبين بدأت تفقد قدرة التأثير على قرارات إسرائيل.  

واشنطن بدأت تفقد قدرة التأثير الكبير على صنع القرار في إسرائيل

الاتفاق أو بالأحرى التوافقات التي تسعى لإبرامها واشنطن قد لا تقدم حلولاً جدية وجديدة للقضية الفلسطينية. حيث تشير التوقعات أن إدارة بايدن غير متشجعة بشكل كبير لكسر حالة جمود مسار السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس لديها ما تقدمه أكثر مما قدمته إدارة ترامب أو أوباما. اذ تراهن بعض التحليلات أن واشنطن بدأت تفقد قدرة التأثير الكبير على صنع القرار في إسرائيل. ففي حين كانت تعتمد إسرائيل بشكل مطلق على الدعم الدبلوماسي والعسكري الأمريكي، لكن هذا الاعتماد قد ينتهي، في حين أن إسرائيل لا تزال تستفيد بشكل كبير من المساعدة الأمريكية، يقول خبراء أمنيون ومحللون سياسيون إن الدولة العبرية قد طوّرت بهدوء استقلالًا ذاتيًا فعالًا عن الولايات المتحدة[4]. كما تعرف علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة في ظل إدارة بايدن توترا مبطنا[5] قد لا يسمح بتوقع مرونة واذعان اسرائيلي تام لشروط رؤية بايدن للسلام وللاتفاق النووي مع إيران مالم تحقق الدولة العبرية ضمانات صعبة.

ولا يبدو أن سلام بايدن قد يصطدم فقط بمعضلة القضية الفلسطينية، بل ان تقاطعات الأزمة اليمنية وتعقيد الوضع السياسي والأمني والإنساني والاقتصادي قد تمثل عائق للتوصل لحل سريع حتى مع تقديم ضمانات ومساعدات أمريكية، وكذلك الأمر ينسحب على التهديدات الحوثية والارهابية في منطقة الخليج التي قد لا يكون حسمها سريعا، علاوة على احتمال ارجاء حسم التفاهمات حولها مقابل توقع تقديم إدارة بايدن والغرب ضمانات بتقليص التهديدات العسكرية التي تمثلها جماعات الحوثي عبر الضغط على إيران. ويبدو أن شرط الالتزام الإيراني بوقف استفزازات طهران لدول المنطقة أولوية مطلقة لطالما تمسكت بها إسرائيل ودول الخليج معا. الا أن توقع مثل هذه الضمانات الغربية قد لا يكون كافياً لاكتفاء دول الخليج خاصة بتعزيز التحالف مع أميركا فقط على حساب ابطاء خطوات التقارب مع روسيا والصين. اذ هناك خشية خليجية ألا تكترث كثيرا ادارة بايدن بمخاوف الدول الخليجية على المدى المتوسط، بقدر اهتمامها فقط وبشكل حيوي ومستعجل بتقديم ضمانات مؤقتة مقابل زيادة تدفق امدادات الغاز والنفط من الشرق الأوسط، وذلك من أجل الضغط على أسعار الطاقة نزولاً وتضييق الخناق على الطاقة الروسية ومحاصرة حصصها في الأسواق العالمية، وذلك من خلال توفير بدائل من دول الخليج وحلفائها في الشرق الأوسط.

التصور الأمريكي لسلام في الشرق الأوسط قد يفرض تنازلات أمريكية كثيرة وضغوطاُ أكبر على البيت الأبيض ونفقاته الخارجية على المدى القريب. الا أن الاعلان عن سلام يبدو هدفا معنويا لكسب حرب نفسية ضد موسكو وفق تصورات المحيطين بالرئيس بايدن وذلك لإنقاذ مكانة أميركا في النظام العالمي الذي تهدف روسيا والصين الى تغييره بأي كلفة وفرض نظام متعدد الأقطاب.

حسب دراسة تقارير أمريكية موثوقة، من المرجح أن يسعى بايدن لامتصاص الغضب الخليجي الآخذ في التصاعد منذ بداية اعلان الانسحاب العسكري الأميركي التدريجي من الشرق الأوسط ضمن استراتيجية مراجعة كلفة الانتشار العسكري واتفاقيات الحماية والدفاع المشترك[6]. ولذلك قد يحاول بايدن عبر تقديم ضمانات تحسين العلاقات خاصة مع السعودية[7] وتجديد التزام أميركا بتحالفاتها مع دول الخليج قاطبة ومتابعة المبادرات المتعددة اللازمة لمعالجة مخاوفها الأمنية المشروعة مع تعزيز حقوق الإنسان[8]. مخاوف مثلت ذريعة لزيادة المواقف المنتقدة للدور الأمريكي المتراجع في معالجة أولويات قضايا دول الخليج والتي برزت بقوة مع قدوم بايدن للسلطة واعلانه ابان حملته الانتخابية بجعل السعودية منبوذة. علاوة على ذلك تفاقمت مشاعر الغضب الخليجي من الإدارة الأمريكية بسبب عدم قدرة الغرب عموماً احتواء مخططات توسع نفوذ إيران في المنطقة وتدخلاتها الاستفزازية في شؤون دول الخليج وجيرانها. لكن تظهر مؤشرات مختلفة أن زيارة بايدن قد لا تغير كثيرا في حسابات دول الخليج وإسرائيل بشأن مخاوفها من أنشطة إيران بقدر ما ستهدف لطمأنة مؤقتة تخفي رغبة حقيقية لتحفيز زيادة انتاج النفط الخليجي في الأسواق العالمية بأي تكلفة مؤقتة والتملص من أي التزامات أمنية بعيدة المدى.

أولوية بايدن: زيادة تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط

تؤكد تحليلات مراقبين[9] أن واشنطن، رغم أولويات ادارتها الديمقراطية المنصبة على مواجهة خطط توسع نفوذ روسيا والصين، تبدو مهتمة أيضاً بتجميد التوتر في الشرق الأوسط واحلال سلام وان كان مؤقتاً من أجل تجنب توسع رقعة الصراع الدولي وتوريط القوى العظمى في أكثر من مواجهة قد تسمح لفتح أكثر من جبهة صراع تشتت التركيز الأمريكي.

قد يأمل بايدن تحقيق زيادة امدادات الطاقة من الخليج وخفض أسعار النفط وعقد اتفاق سلام بين إسرائيل ودول الجوار وتفاهمات حول دور خليجي محتمل في مفاوضات إيران النووية من خلال دعم الحوار بدل التصادم. حيث تسعى واشنطن لقطع الطريق أمام روسيا لعدم استغلالها التوترات الأمنية وتأجيجها لدفع سوق الطاقة العالمية لعدم الاستقرار وارتفاع أسعار النفط والغاز وهو ما قد يكون ضربة قاسمة لدول أوروبا العاجزة عن تأمين احتياجاتها المتراجعة من الطاقة الروسية قبيل الشتاء المقبل.

قطع الطريق أمام روسيا لاستثمار اضطراب امدادات الطاقة من الشرق الأوسط

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يبدو أنه استبق مساعي واشنطن الديبلوماسية في الشرق الأوسط من خلال زياراته المتكررة الى منطقة الخليج، ليحط أخيرا في إيران. ويبدو أن التحركات الروسية تستبق خطة إدارة بايدن لإعادة توازنات الشرق الوسط وفق رؤية تنسجم مع مصالح الغرب ضد روسيا والصين.

ورغم أن الزيارة تحمل أهداف اقتصادية معلنة لإجراء محادثات بشأن تعزيز التعاون التجاري والطاقة في الوقت الذي يتصارع فيه البلدان مع العقوبات الاقتصادية الغربية، الا ان النقاش حول برنامج إيران النووي والتعامل مع إسرائيل، والعلاقات مع دول الجوار والملفات السورية واللبنانية والعراقية والخليجية قد تكون حاضرة بقوة.

عقب زيارة لافروف مباشرة، زار مسؤول السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل طهران من اجل تذليل عقبات الاتفاق النووي وتقديم وعود لطهران لم يكشف عنها بعد.

ورغم عدم الكشف عن مثل هذه التفاصيل، تمثل رسالة مسؤول السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل من طهران استئناف المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني متغيرا متوقعا قد يمثل انتصار مؤقتا للديبلوماسية الإيرانية الهادفة لرفع العقوبات وتذليل الشروط المفروضة عليها من اجل ذلك، حيث دعا وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الولايات المتحدة إلى النظر بواقعية لمفاوضات فيينا واتخاذ إجراءات جادة من أجل التوصل إلى اتفاق.

 الا أن عودة مثل هذه المفاوضات قد تعيقها مواقف روسيا المرتبطة بتحالفات استراتيجية مع إيران. اذ تسعى موسكو للعب ورقة ضغط على الأمريكيين في الشرق الأوسط وذلك من خلال الملف النووي الإيراني أو الملف الأمني السوري واليمني واللبناني والعراقي.

تعي واشنطن جيدا التحديات وقد تسعى لمحاولة كبح جماح الرغبة في الحرب مؤقتاً حتى نهاية هذا العام من أجل ربح الوقت في مناورة الاتحاد الروسي والصين ومعرفة مخططاتهما. فضلا عن اهتمام جدي بتجنب خروج أسعار الطاقة عن السيطرة خاصة في ظل ما تعانيه أوروبا وأميركا من تداعيات مقلقة جدا أثارت موجة تضخم تاريخية آخذة في التصاعد بسبب اضطراب سلاسل التوريد واضطراب أسعار الطاقة الناجم عن تداعيات جائحة كورونا والعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وبقدر ما تمثل مخاوف واشنطن بشأن أسعار الطاقة أولوية قصوى لإدارة بايدن، يعتبر هدف تجنب صدام إيراني إسرائيلي مسلح من أهم أولويات البيت الأبيض على المدى القريب وذلك لأجل تقليص عوامل اضطراب امدادات الطاقة من جهة، وتفادي حدوث ذريعة للتورط مجددا في صراع في الشرق الأوسط والذي قد تستغله موسكو وبكين لتحفيز تحالفات جديدة على حساب نفوذ واشنطن في المنطقة.

تجنب صراع إسرائيلي ايراني في الشرق الأوسط

زيارة بايدن قد تهدف لتأخير أي صراع مباشر في الشرق الأوسط أو تجميده مؤقتاً أو تجنبه من خلال دعم العودة لمفاوضات حول اتفاق نووي إيراني قد تكون بمشاركة خليجية هذه المرة الى جانب القوى العظمى. ترجح تحليلات أن التوترات قد تزداد أكثر إذا انهارت محادثات الاتفاق النووي وصعدت الولايات المتحدة وشركاؤها عقوبات قوية بالفعل ضد إيران. ويخشى أنه خلال ذروة حملة العقوبات التي تفرضها واشنطن غالبًا ما اتخذ الانتقام الإيراني شكل هجمات بالوكالة ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة[10].

التكهنات الغربية ترجح أن بايدن لن يسعى الى استفزاز إيران خلال جولته في الشرق الأوسط أو التلويح بانهيار مسار المفاوضات معها حول برنامجاها النووي لان ذلك من شأنه أن يدفع طهران الى الانتقام وتعزيز علاقتها العسكرية مع روسيا والصين والمزيد من استهداف مصالح أميركا وحلفائها في المنطقة، وهذا ما قد تصبو اليه موسكو والذي من شأنه أن يصعد التوتر أكثر ويربك امدادات الطاقة ويدفع الأسعار مجددا للارتفاع. وبذلك تحاول إدارة بايدن استباق جل احتمالات اضطراب سلاسل توريد الطاقة وتقلص معروضها، ويبدو الرهان على تحسين العلاقات مع السعودية في هذا السياق الملاذ الأكثر الحاحا بالنسبة لبايدن من أجل زيادة الامدادات النفطية وتفادي صدمة في أسواق الطاقة العالمية، حيث أن إمكانية حدوثها من شأنها أن تعمق الركود الأمريكي والأوروبي في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا.

الرهان الأمريكي على تحسين العلاقات مع السعودية

زيارة الرئيس الأمريكية للشرق الأوسط وخاصة للسعودية قد تكون محطة فاصلة في مستقبل الاستقرار العالمي. حيث يعول عليها الغرب لإجراء تفاهمات مع دول المنطقة بهدف خفض التوتر من أجل تجنب اضطراب امدادات الطاقة وارتفاع أسعارها أكثر في أهم منطقة طاقية في العالم، اضطراب قد تسعى اليه روسيا لزيادة ارباك اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة أهم داعمي أوكرانيا خصم روسيا، وذلك من خلال دعم موسكو لطهران اقتصاديا وعسكريا واستخباراتيا ورفع قدراتها الدفاعية استعدادا لصراع إقليمي وشيك مع إسرائيل على الأرجح.

لذلك فان سياسات بايدن في الشرق الأوسط كما كانت معلنة منذ توليه السلطة مرجحة للتغير برمتها، حيث من المرجح ان تنخفض درجة تحفظه في العلاقات مع الرياض ودعمها في استعادة شرعية الحكومة اليمنية والضغط على الحوثيين، فضلا عن تجميد محتمل للانسحاب العسكري مؤقتا من القواعد الامريكية بالخليج.

وتنقض زيارة بايدن المرتقبة للرياض تعهده السابق خلال حملته الرئاسية بجعلها “منبوذة” وسيسافر بايدن إلى الشرق الأوسط الشهر المقبل، وسيتوقف في إسرائيل والضفة الغربية ويلتقي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وتأتي الزيارة في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة تعزيز إنتاج النفط العالمي ودفع السلام العربي الإسرائيلي إلى الأمام[11]. ويتعرض الرئيس جو بايدن لضغوط متزايدة من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط للتوصل إلى خطة قابلة للتطبيق لتقييد طموحات إيران النووية والتوسعية.

وقد شهدت العلاقات الأمريكية السعودية مؤخرًا بعض أسوأ التوترات. فقد لا يتفق بايدن والقادة السعوديون على العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني دون ضمانات خليجية. لكن قد يرى أحد الأطراف أن الاتفاقية هي البديل الأقل سوءًا لشراء معظم الوقت لتأخير برنامج إيران النووي، بينما يقول الجانب الآخر إنها تؤخر فقط حتمية اختراق نووي إيراني أسوأ وتغذي اعتداءات إيران الإقليمية الأخرى من خلال تخفيف العقوبات الكبرى. وقد أثارت مجموعة واسعة من القضايا الخلاف وانعدام الثقة بين الشريكين التاريخيين (واشنطن والرياض) خاصة إزاء انعكاسات المحادثات النووية الإيرانية على السلام في المنطقة، والحرب في اليمن، والموقف السعودي من خصمي الولايات المتحدة روسيا والصين، وحقوق الإنسان، والإصلاح الاجتماعي في المملكة، وإنتاج النفط وأسعاره، والتزام الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط[12]. ومن أجل الحفاظ على التزام واشنطن بالاستجابة للمخاوف الخليجية من المرجح أن تسعى إدارة بايدن لدعم سلام حذر بين دول الخليج وجارتها إيران.

دعم أميركي لفكرة التقارب المرحلي السعودي الإيراني

رحبت إدارة بايدن بأي تقارب يحصل بين السعودية وإيران بل تعمل على تمهيد الأرضية لذلك[13]. في 9 من أبريل 2021، أجرت إيران والسعودية محادثات مباشرة بعد خمس سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية. وتوسط لإجراء المحادثات في بغداد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي. تركزت المناقشة في المقام الأول على اليمن فضلا عن الأزمة السياسية والمالية في لبنان[14]

منذ شهر تقريبا أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود خلال مؤتمر دافوس، أن يد المملكة ممدودة لإيران [15] من أجل السلام. واستمر التنسيق وصولا لعقد اول اجتماع رسمي بين مسؤول سعودي وإيراني لتباحث رفع حصة الحجيج الإيرانيين. وهو ما قد يثير التكهنات حول إمكانية التعاون بين البلدين وصولاً الى مباحثات لعودة محتملة لفتح سفارات البلدين ومعاودة العلاقات الديبلوماسية المتعثرة رغم اعلان المسؤولين الإيرانيين أن الحديث حول إعادة فتح السفارات أمر سابق لأوانه[16].

ورغم اهتمام الرياض بالحصول على دعم أمريكي وغربي من أجل سلام دائم وعادل في المنطقة، الا أن بعض المؤشرات ترجح استمرار أزمة ثقة بين عواصم خليجية والإدارة الأمريكية الحالية في ظل تناقض تصريحات كبار مسؤوليها تجاه مستقبل العلاقات مع الخليج.

أزمة ثقة بين واشنطن ودول الخليج قد تحد من نتائج زيارة بايدن

أسهمت تسونامي من التطورات السياسية والعسكرية غير المتوقعة في العالم، وأبرزها الحرب في أوكرانيا، على منع أي مزيد من تخفيف الروابط الأمريكية مع دول الشرق الأوسط بالنظر لاحتياطاتها الهائلة من الطاقة والتي يحتاجها الغرب كبديل للطاقة الروسية التي تتعرض لعقوبات قياسية.

أزمة ثقة متصاعدة بين إدارة بايدن والدول شرق أوسطية بما فيها دول الخليج وإسرائيل وإيران حيث لا يمكن تجاهلها. ورغم سعي حثيث لفريق بايدن لرأب الصدع وتعزيز الثقة من خلال ضمانات مرتقبة والتزامات أمريكية بتعزيز العلاقات مع هذه الدول، الا أن الأخيرة وخاصة دول الخليج تعي أن إيجابية مواقف البيت الأبيض ازاء التعامل مع هواجس وتطلعات هذه الدول وخاصة السعودية لا تنم عن قناعة بتعزيز العلاقات الأمريكية الخليجية وخاصة بعد انتقادات لاذعة وجهها بايدن للسعودية ابان حملته الرئاسية. لذلك فان تغير موقف واشنطن وقرار بايدن زيارة الرياض وعقد قمة مرتقبة بمشاركة زعماء المنطقة تهدف فقط حسب تحليلات كثيرة الى زيادة تدفقات الطاقة واحتواء إيران مؤقتا دون حلول جذرية لمخاوف دول الخليج.

فمنذ توليه السلطة سعى بايدن الى تخفيف الروابط الأمريكية مع دول الخليج وتسريع وتيرة الانسحاب العسكري من قواعدها هناك بهدف تعزيز تواجدها في بحر الصين الجنوبي وشرق أوروبا. وهو هدف استراتيجي استعصى على العديد من الإدارات السابقة[17]. كما تحاول إدارة بايدن احداث تفاهمات سلام بين الخليجيين والإسرائيليين والإيرانيين بهدف خفض التزاماتها العسكرية المكلفة في المنطقة. وكان تحرك بايدن لإنهاء حرب أمريكا التي استمرت 20 عامًا في أفغانستان، واستئناف المحادثات حول اتفاق نووي متجدد مع إيران أكبر دليل على استراتيجية تخفيض الروابط الأمريكية مع دول المنطقة. كما أعلنت أيضا أنها ستنهي دعمها للحرب السعودية في اليمن، وعلقت لفترة وجيزة بعض مبيعات الأسلحة المعلقة للسعودية والإمارات وسحب ثماني بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ من المنطقة. الا ان هذه التحركات يبدو أن تجمدت بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا وما خلفته من تداعيات كارثية على أسواق الطاقة التي تمثل دول الخليج خزانا كبيرا لها.

وبغض النظر عن مدى صعوبة محاولة بايدن استمالة زعماء دول الشرق الأوسط لخيارات واشنطن المتقلبة، فمن غير المرجح أن يثق الخليجيون ولا الإسرائيليون أو الإيرانيون برؤية بايدن والديمقراطيين للسلام المزعوم. الا انه من المتوقع أن تسعى إدارة بايدن تحسين علاقات الثقة مع دول الخليج خاصة من خلال توفير بعض الضمانات.

ضمانات أمريكية محتملة لمخاوف خليجية أمنية

قبيل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المعلنة للمملكة العربية السعودية في منتصف الشهر المقبل، زادت وتيرة التوقعات حول رغبة أمريكية محتملة وغير معلنة الى الآن في خفض مستويات التوتر في الشرق الأوسط التي ارتفعت بسبب تدخلات روسية وصينية مرجحة في تقديم دعم مزدوج غير مباشر لكل من إيران وبعض دول الخليج خاصة تلك المستاءة من إدارة بايدن التي أعلنت سابقا دعم خفض الحماية العسكرية لها وتقليص تسليحها عبر فرض قيود مبيعات السلاح الأمريكي لعواصم خليجية. يحدث ذاك تزامنا مع انسحاب عسكري للولايات المتحدة يجري منذ سنوات من قواعدها بالخليج.

الهواجس الخليجية قد تطرح للنقاش خلال القمة الأمريكية الشرق الأوسطية بالرياض منتصف يوليو المقبل. حيث قالت مصادر إن البيت الأبيض يخطط لحضور بايدن سيحضر قمة مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر والعراق والأردن المعروف باسم «GCC + 3» كما سيلتقي مع نظرائه من جميع أنحاء المنطقة[18].

لا يبدو أن أجندة الديمقراطيين وخاصة في ظل إدارة الرئيس جو بايدن والتي تمثل امتدادا لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما تشجع على تفوق القوة العسكرية والاقتصادية الخليجية على حساب القوة الإيرانية والإسرائيلية. حيث تسعى دائما لضمان التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه عدم اضعاف القوة الإيرانية أو اذلالها للحفاظ على توازن قوى يجعل دول الخليج تحت تهديد دائم وفي حاجة مستمرة للولايات المتحدة كحليف تفاضلي. اذ استفادت واشنطن خلال العقود الماضية من استمرار حرب باردة بين دول الخليج وإيران تمكنت بموجبها من الحصول على نفوذ أكبر في المنطقة من خلال بوابة الحليف العسكري والاقتصادي الاستراتيجي لدول مجلس التعاون.

هذا المتغير في العلاقات الاستراتيجية الأمريكية الخليجية تنبهت له على الأرجح دول خليجية وسارعت لتنويع مصادر قوتها العسكرية والاقتصادية والانفتاح الأكثر على شركاء دوليين بما فيهم من تصنفهم واشنطن بالأعداء كروسيا والصين.

 التقارب الخليجي الروسي والصيني يرصده البيت الأبيض عن كثب مع نظرة مقلقة. تقارب تقابله مساع أمريكية حثيثة لاستيعاب وفهم مخططات دول الخليج وتحفيزها على الدخول في حلف إقليمي بمشاركة إسرائيل مع ضمانات قد يعلن عنها بايدن خلال زيارته المرتقبة للشرق الأوسط في الشهر المقبل للتصدي لتهديدات إيران.

تجدر الإشارة الى أن ما يزيد من مضاعفة خطر النظام الإيراني شعوره بموقف قوة وان كان مؤقتا، حيث تتسابق القوى العظمى لاستيعابه والاتفاق معه سواء وروسيا او الغرب. الاستفادة الإيرانية من ذلك قد تكون على حساب الأمن القومي الخليجي واضطراب مصالح دول مجلس التعاون.

  حصول طهران على دعم غربي أو روسي أكبر لا ينفي في المقابل رصد رغبة أمريكية في تعزيز الدعم العسكري لإسرائيل ودول خليجية أخرى تسعى موسكو لاستقطابها وذلك بهدف دعم الشراكة الدفاعية مع هذه الدول لكبح جماح الصعود الإيراني المستفيد من ارتفاع إيرادات النفط وانشغال القوى العظمى في أوروبا وأميركا في مواجهة طموحات روسية وصينية لتوسيع هيمنتهما كقطب عالمي جديد قد يتمدد في خارطة العالم المرجح تغير معالمها وحدود دولها في المدى المتوسط على خلفية صراع علني محتدم على النفوذ في شرق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وصولاً لمنطقة المغرب العربي.

وتضغط إدارة بايدن على إيران من خلال التلويح باستمرار العقوبات من أجل دفعها لقبول بعض الشروط الصارمة لإنقاذ مسار الاتفاق حول برنامجها النووي وتفادي تحولها لقوة نووية في المنطقة. وبذلك فان بايدن لا يعارض تقاربا إيرانيا سعوديا يصب في مصلحة استقرار حذر مؤقت يعطيه الوقت من اجل التفرغ لملف روسيا والصين. الا أن روسيا قد لا تترك له خيارات كثيرة، حيث تلعب أيضا على اثارة أكثر من ملف كالأزمة السورية ودعم إيران في مفاوضاتها النووية، في المقابل لا تدخر جهدا في دعم التقارب مع دول الخليج وملاء فراغ الانسحاب العسكري الأمريكي من المنطقة. وقد خلق الانسحاب الأمريكي من المنطقة واقعا مختلفا خلال السنوات الماضية حفز من زيادة تعويل دول الخليج والشرق الأوسط على بناء قدراتها الذاتية ودعم استقلالية استراتيجياتها المتخلية عن التبعية للخيارات الأمريكية.

تراجع منظومة الاستتباع الأميركي في الشرق الأوسط

رغم استمرار نفوذ أميركا في منطقة الشرق الأوسط ما عدا إيران، الا أن هذا النفوذ القائم على نظام الاستتباع أي عدم الخروج عن قاعدة التنسيق مع الولايات المتحدة وخياراتها في المنطقة، يسجل بداية تراجع لافت، أو هو على الأحرى يمر بمرحلة ضعف. حيث أكدت قرارات إسرائيلية وخليجية خروج سياسات هذه الدول عن التنسيق المألوف مع الإدارة الأمريكية في عدد من القضايا. إذ أثبتت مواقف بعض دول الخليج كالسعودية والامارات اعتمادها سياساتها الخاصة غير مشترطة التنسيق مع الحليف الأمريكي في موقف الحياد على سبيل المثال تجاه الأزمة الأوكرانية بخلاف رغبة واشنطن. إسرائيل بدورها باتت تحركاتها العسكرية لمعالجة التهديدات الإيرانية أكثر استقلالية عن خيارات الإدارة الامريكية، وكذلك الأمر بالنسبة لمصر التي تعاملت بحياد تجاه الأزمة الأوكرانية مختارة الاصطفاف لمصالحها الوطنية. وهو مستجد تعده واشنطن مقلق يحتاج مزيد من الترتيب والنفاش، وهو ما قد يستوعبه جدول مباحثات القمة الأمريكية الشرق الأوسطية المنتظرة في منصف الشهر المقبل بالرياض. وتهدف هذه القمة بغض النظر عن توصلها الى اتفاق سلام أو لا الى الضغط على دول الشرق الأوسط لزيادة التزامها بتدفقات الطاقة الى الأسواق الدولية لتخفيف مخاوف أوروبية قبيل فصل الشتاء في ظل تراجع امدادات الطاقة الروسية للقارة العجوز وإمكانية توقفها.

الا ان الضغط على دول الشرق الأوسط وان كان مقابل العديد من الوعود خاصة أبرزها دعم تحالف دفاعي عربي إسرائيلي ضد تهديدات إيران، الا أن فكرة انشاء أي تحالف على شاكلة ناتو عربي قد لا تكون بين أولويات نقاش بايدن مع زعماء الشرق الأوسط والخليج.

“ناتو عربي” قد لا يطرح ضمن جولة بايدن للشرق الأوسط

فكرة انشاء تحالف دفاعي عربي على شاكلة (ناتو عربي) والتي يروج لها البيت الأبيض وقوى أوروبية تبدو غير منطقية وغير قابلة للتفعيل حيث تحظى بمعارضة مبطنة من إسرائيل وحتى وان شاركت في هذا الحلف من أجل مقاومة تهديدات إيران. حيث تخشى تل آبيب وواشنطن نفسها من احتمال أن يمثل أي تحالف عسكري عربي أو تعزز القدرات العسكرية العربية دون اشراف ورقابة أميركية تهديدا مستقبليا على توازن القوى في المنطقة وعلى أمن إسرائيل التي لطالما أعربت عن قلقها من امتلاك الجيوش العربية لأسلحة متطورة[19]. حيث تسعى الإدارة الأمريكية دائما لضمان تفوق القوة الإسرائيلية في المنطقة[20]. وبذلك فان مخاوف إسرائيل من ناتو عربي قد تفوق هواجس إيران من هذه الفكرة. لكن ترحيب الإسرائيليين بها كان من أجل الدعاية والحرب النفسية فقط ضد الإيرانيين وأيضا بهدف استقطاب أكثر عدد ممكن من الدول العربية والخليجية خاصة الى صفها في أي عمل عسكري ضد إيران لطالما مثل أهم أولويات السياسات الدفاعية للحكومات الإسرائيلية لخفض مستويات التهديدات الوجودية على أمنها القومي والتي تمثلها ترسانة الصواريخ الايرانية.

لكن هواجس إسرائيل من تكامل دفاعي عربي لا ينفي في الوقت نفسه رغبة جامحة لا تخفيها الحكومة العبرية لدعم فكرة اتفاق دفاعي مشترك محدود الصلاحيات والزمان دون تأسيس منظومة مستقرة، وبإشراف الولايات المتحدة مع الحفاظ على توازن القوى لصالح الحكومة الإسرائيلية. لكن هذا الهدف قد لا يروق كثيرا للدول الخليجية والتي تعززت قدراتها العسكرية وتنتهج سياسات وتقر قرارات أكثر استقلالية من قبل للدفاع عن أمنها القومي بغض النظر عن العلاقات مع إسرائيل وأميركا.

وقد جاءت تحذيرات سابقة لعل أبرزها من أنطوني بلينكين وزير الخارجية الأمريكية الآن، في مقال نشره عام 2017 يندد بترويج الرئيس دونالد ترامب لـ “حلف شمال الأطلسي العربي”. حيث عبر بلينكن حينها أن “تحالف أمني عربي سني” قد يدفع الولايات المتحدة إلى صراع طائفي. وبذلك فقد أعلن مسؤول أمريكي لوسائل اعلام أمريكية أن بايدن خلال زيارته للشرق الأوسط يهدف لمناقشة تعزيز التحالف الأمني ضمن المبادرة الحالية في إطار القيادة المركزية الأمريكية وليست ضمن هدف تشكيل ناتو عربي، حيث تسعى واشنطن لتعزيز التنسيق بين إسرائيل والشركاء العرب لمواجهة تهديدات سياسات إيران الخارجية[21].

ولطالما مثلت مواجهة تهديدات إيران عنصر التفاوض الأمريكي الأقوى من أجل عقد توافق عربي أمريكي يخدم مصالح مشتركة. الا ان تعزز قدرات الدول العربية العسكرية وانفتاح سياساتها على مختلف القوى الدولية بما فيها روسيا والصين باتت تمثل واقعا جديدا يرفع درجة التنافس بين قوى الغرب والشرق على تعزيز تحالفات مع البلدان العربية. هذا التنافس المحموم الذي زادت وتيرته الحرب الروسية الأوكرانية يزيد من احتمالات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا الصين من اجل النفوذ في أهم منطقة للطاقة في العالم.

حرب باردة حول النفوذ في الشرق الأوسط وتراجع الحظوة الأمريكية

يسعى بايدن لاختراق التفاهمات العربية الروسية والتي تبلورت بإعلان مزيد من التعاون الاستراتيجي. ومن خلال هذه القمة المرتقبة تهدف الإدارة الأمريكية لتقديم ضمانات وحوافز لدول الشرق الأوسط من اجل تعزيز تعاون عسكري واقتصادي مع دعم تفاهم خليجي إيراني يضمنه الاتفاق النووي مع الغرب والتعهد بعدم تهديد إيران لدول المنطقة، حيث أن صنع السلام قد يقوّض سياسات موسكو وبكين الطامحة لتوسيع نفوذها على حساب النفوذ الأمريكي علاوة على خلق شراكات وأسواق خلفية لها من شأنها تهديد مصالح الغرب في منطقة تمثل أهمية كبرى في توازنات الطاقة وخارطة الاستثمار في العالم.

لكن لا يبدو أن دول الخليج وبقية دول المنطقة بما فيها إسرائيل قد تبقى رهينة خيارات واشنطن التي تراجع دورها في صنع سياسات وتحالفات المنطقة. حيث بات يرصد نوع من التمرد على هيمنة الولايات المتحدة على خيارات دول الشرق الأوسط التي تعلي شعار تحقيق مصالحها أولاً من خلال اعتماد توزان التحالفات. وهذا ما لا تريده إدارة بايدن على ما يبدو، حيث تسعى لتستمر الولايات المتحدة الحليف الأهم الذي تدين له دول الشرق الأوسط بالولاء ضمن سياسة الاستتباع والزعامة المطلقة لواشنطن في هذه المنطقة. الا أن واقع الزعامة الغربية في الشرق الأوسط اخذ الانحسار وإعادة التشكل والتراجع لصالح دخول حلفاء جدد لدول المنطقة. حتى باتت سياسات دول كثيرة في المنطقة تنحاد عن بوصلة واشنطن. دول على راسها السعودية والامارات ومصر والعراق بدأت تنتهج مسارات مستقلة تماما عن النفوذ الأميركي. حيث تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية اسوة بدول أخرى مثل تركيا وإيران. فالتحالفات التي كانت مجدية سابقا يبدو أنها لم تعد مجدية لهذه الدول الا بتغيير رؤية التعاون والاستفادة المرجوة منها، وهذا ما قد يشكل أجندة النقاش بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط خلال زيارة بايدن المرتقبة. وتختلف ظروف الزيارة والقمة المنتظرة عن القمة الخليجية الأمريكية التي عقدها الرئيس السابق دونالد ترامب فور تسلمه للسلطة خلال زيارته الرياض في 2017 والتي عرفت بقمة الرياض.

ومع تغير الظروف الجيوسياسية وتداعيات الجائحة والحرب الروسية في أوكرانيا، يبدو أن واشنطن خسرت فرص استمرار سياسة الاستتباع في الشرق الأوسط، وباتت مضطرة لدراسة تغيير طبيعة التعاون الى شراكة ندية مع دول الخليج وتقديم فرص استفادة متكافئة مع عدم التأثير على الخيارات السيادية بما فيها التحالفات مع قوى عظمى أخرى كروسيا والصين، والتي باتت تمثل مسارا لا يمكن التراجع عنه في ظل بحث دول مجلس التعاون عن تموقع جديد يخدم أهدافها الوطنية بغض النظر عن تعارضها مع بعض خيارات القوى الدولية.

ورغم تطورات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتداعيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على شعوب أوروبا والولايات المتحدة، التي أفضت لحاجة غربية ماسة لزيادة امدادات الطاقة التي تفرض تحسين العلاقات مع دول الخليج بالأساس كحلفاء تاريخيين لأميركا، رغم ذلك، لم تتراجع الإدارة الامريكية رسميا في خطط انسحابها المستمر من قواعدها بالخليج والشرق الأوسط مدفوعة بزيادة المخاطر المتصاعدة في شرق أوروبا وبحر الصين الجنوبي لمقاومة توسع نفوذ موسكو وبكين. التزام واشنطن بخطط الانسحاب قد تكون مدفوعة برغبة أمريكية ملحة لاحتواء تهديد إيران والزامها بتوقيع اتفاق نووي يعيد الرقابة الدولية على أنشطتها العسكرية.

الاتفاق النووي هل يقلّص خطر إيران أم يفاقمه؟

استئناف المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني خلال الأيام المقبلة، تطور لافت قد يصب نظريا في مصلحة طهران وذلك بحصولها على ضمانات استباقية بتقليص التهديدات الإسرائيلية وفرصة لإعادة ترميم قوتها الاقتصادية والعسكرية المتأتية خاصة من مبيعات النفط. لكن صيغة الاتفاق قد يتم تعديلها خلال زيارة بايدن للشرق الأوسط استجابة لهواجس دول الخليج وإسرائيل إزاء ما يمكنه يمثله الاتفاق من تهديدات على امن هذه الدول في حال تعززت موارد إيران وانفقتها على التسليح والتوسع وعدم استبعاد امتلاك سلاح نووي.

ومن المرجح ان ادارة بايدن لن تسعى لاجهاض الاتفاق النووي الإيراني برمته لتجنب عواقب ذلك. حيث عمل المسؤولون الأمريكيون لعدة أشهر لإحياء اتفاق نزع السلاح النووي التي وقعت في عهد أوباما مع طهران والتي اجهضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 2018[22].

ويسعى بايدن لإنجاز اتفاق مع إيران واحتواء مخططات إسرائيل التي تستعد لمواجهة عسكرية ضد طهران[23]. ورغم عدم اعلان ضغوط من البيت الأبيض على إسرائيل من اجل وقف عمليات استفزاز إيران واستهدافها، الا ان هناك حاجة معلنة من واشنطن لتجنب صراع في المنطقة من اجل مصالح أميركية.

وعلى الرغم من رفض سابق للإدارة الامريكية لشروط إيرانية من اجل استئناف المفاوضات النووية والمتمثلة أساسا في رفع الحرس الثوري من لائحة الإرهاب، الا أأأن احتمالات نجاح المحادثات بشأن احياء اتفاق جديد بمشاركة خليجية يبقى احتمال ورادا. وهذا ما تأكد بعد زيارة بوريل لطهران وتنسيقه المسبق مع المبعوث الأمريكي لإيران روبرت مالي في بروكسيل.

لكن الاتفاق قد يتعثر من خلال ضغط موسكو المحتمل على إيران لحثها على زيادة مطالبة الغرب بضمانات حقيقية تكفل على سبيل المثال شطب الحرس الثوري من قائمة العقوبات وزيادة فرص التجارة الايرانية وولوجها الأسواق الدولية. ومثل هذه الضمانات وتخفيف العقوبات تمثل عوامل قلق جدي لكل من دول الخليج وإسرائيل التي تنظر بريبة لاتفاق إيراني مع الغرب تحت ضغوط حاجة الغرب لطاقة إيران في المستقبل القريب.

وبذلك فان الولايات المتحدة قد تتعرض للابتزاز المزدوج (ابتزاز إيراني وآخر إسرائيلي) وهو ما يصعب مهمة بايدن للشرق الأوسط من أجل تمهيد أرضية لسلام مؤقت يكون على شاكلة هدنة وتكون إيران شريكا فيه. كما أن توفيق وجهات النظر بين الإيرانيين والخليجيين حول ملفات كثيرة أهمها الصراع في اليمن وسوريا ولبنان قد تمثل نقاط خلافية قبل الدخول في المفاوضات، الا إذا استعجل الغرب اتفاقاً مؤقتاً مع إيران من أجل استدراج نفطها الى السوق العالمية حتى نهاية الحرب الروسية مع تأجيل توفير ضمانات للخليجيين وإسرائيل، وهو أمر قد يحفز تل ابيب على زيادة انتهاج سياسات عدوانية ومستقلة عن أوروبا واشنطن في إدارة التهديدات الإيرانية وعدم استبعاد اتخاذ قرار عسكري ضد طهران بشكل منفرد وبتنسيق استخباراتي مع دول الخليج على سبيل المثال.

وتعي موسكو جيداً هذه التعقيدات الموضوعة أمام تنسيق سلام شامل في المنطقة مؤقتا، حيث قد تسعى لزيادة فرض عقبات أمامه من أجل الاستفادة من حالة الاستقطاب والتوتر التي قد تزيد من ارباك استقرار أسواق الطاقة وتضييق الخناق أكثر على خيارات الغرب في كسر حصار الطاقة التي تفرضه إدارة الكريملن. ولا تنفي موسكو مساعيها لزيادة دفع طهران لعدم الثقة بالغرب ومحاولة الاستفادة القصوى من الوضع الراهن والذي يجعل النظام الإيراني في موقف جيد لابتزاز مزدوج لدول الغرب وروسيا أيضا.

إيران وسياسة الابتزاز المزدوج

تستغل إيران أزمة الطاقة العالمية والحرب الدائرة في أوكرانيا كفرصة للضغط المزدوج على الغرب وروسيا. يسعى الغرب الى إنجاح مفاوضات الاتفاق النووي من اجل زيادة تدفق الطاقة الإيرانية للأسواق الدولية، في المقابل تهدف موسكو من خلال علاقتها الاستراتيجية مع النظام الإيراني الى تجنب حصول اتفاق إيراني غربي قد يخفف الضغوط على أوروبا المتعطشة للطاقة. حيث يتهم الغرب موسكو باستخدام شح امدادات الطاقة كسلاح للضغط على الأمريكيين والأوربيين بدفع أوكرانيا للقبول بسلام مع روسيا بشروط روسية من اجل وقف الحرب وعودة تدفقات الغاز والنفط الروسي الى الدول الصناعية الأوروبية التي يبدو أنها تواجه ركود تضخميا تاريخيا قد يقود الى كساد مخيف خاصة مع الاقتراب من فصل الخريف والشتاء.

لذلك ليس مستغربا قيام السياسة الإيرانية بمناورة وابتزاز الغرب للاستفادة القصوى من الظروف والمتغيرات العالمية أولا من اجل كسر الحصار المفروض عليها وثانيا من أجل تجنب استفزازات إسرائيل التي يبدو انها لا تتفق مع الأوروبيين في منح الإيرانيين فرصة للخروج من العقوبات من خلال اتفاق نووي تعترض على شروطه كل من الدولة العبرية ودول مجلس التعاون التي تشترط ادراج ضمانات لدول الخليج وإسرائيل بعدم الاعتداء او التدخل في شؤون دول الجوار ضمن أي اتفاق غربي مع إيران وهو ما تحاول طهران دائما التملص منه.

ويتضح أن طهران تسعى لفرض خياراتها على الروس والغرب. فمن يحقق لها مصالح أكبر، قد تصطف معه. وقد يكون تزامن زيارات كل من سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي ومسؤول السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل الى طهران يحمل دلالات كثيرة اغلبها التنافس المحتدم على استقطاب إيران.

تستفيد إيران من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، حيث جنت ارتفاعا بنحو 60 في المئة من إيرادات مبيعات النفط والغاز[24] في ظل العقوبات في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، فضلا عن ارتفاع بنحو 40 في المئة في التجارة غير النفطية[25]. وبالتالي تعتبر مستفيدا مثل روسيا وبقية الدول النفطية من ارتفاعات أسعار الطاقة مدفوعة بعدم اليقين حول استقرار تدفقات النفط في ظل العقوبات على كل من روسيا وإيران والتي تعتبران من كبار منتجي الطاقة في العالم ومؤثرا كبيرا في استقرار الأسعار العالمية. وبذلك تعتقد التقارير الدولية، ان طهران في ظل جنيها لمكاسب مؤقتة، قد تسعى لمضاعفة مكاسبها من خلال أي اتفاق نووي مع الغرب، حيث لا تبدو مستعجلة لعقد اتفاق قد يخفض أسعار الطاقة العالمية في المدى القريب. لذلك من المتوقع تمسك طهران بعدة شروط من اجل صفقة نهائية مع الغرب تتيح زيادة انتاجها النفطي ووصوله الى الأسواق بهدف تخفيف وطأة أزمة الطاقة العالمية التي تخنق نمو اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة.

وترجح بعض التحليلات أن احتمال نجاح زيارة لافروف الأخيرة الى طهران في اقناع الإيرانيين باستمرار الالتفاف على العقوبات وجني المزيد من المكاسب من ارتفاع أسعار الطاقة[26]، قد يخفض حماسة طهران لتقديم تنازلات كبيرة خلال مفاوضاتها مع الغرب حول ابرام الاتفاق النووي. فإيران تبدو طامحة لمضاعفة إيراداتها مع رفع العقوبات الغربية وان لم تلمس ذلك، فقد تكون المحادثات متعثرة بل قد تستغل الإدارة الإيرانية حاجة الغرب لتدفق الطاقة من اجل الحصول على ضمانات أكثر تتخطى شطب الحرس الثوري من لائحة واشنطن للإرهاب وتجميد الأصول والوصول الى الأسواق الدولية عبر تسهيل التجارة الخارجية.

الاتفاق وان سيسمح لإيران بالوصول الى احتياطاتها المالية في الخارج، فان طهران قد يتعذر عليها الوصول إليها في المدى القريب لأسباب مختلفة. وبذلك لن يكون النظام بالضرورة قادرًا على استخدامها بالكامل. في أحدث توقعاته الاقتصادية الإقليمية، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن احتياطيات إيران القابلة للاستخدام تبلغ 12.2 مليار دولار مقارنة باحتياطيات تبلغ 115.4 مليار دولار[27]. وبذلك لن يمنح الاتفاق النووي الذي تم إحياؤه سوى بعض هذه الأموال للنظام الايراني. وفي هذا الصدد، يبدو أن بعض احتياطيات النقد الأجنبي الإيرانية غير سائلة بشروطها الخاصة، وليست “مجمدة” بفعل العقوبات. وقد صرح مسؤولو البنك المركزي الإيراني أن الصفقة النووية ستتيح 29 مليار دولار فقط، حيث أن معظم الأصول المتبقية محتفظ بها في بنوك أسيوية أبرزها صينية وأخرى في بنوك سويسرية[28].

كما تعتقد بعض التقارير أن الاتفاق النووي قد يزيد من تدفق النفط الإيراني الى الأسواق الدولية ويخفض من أسعار الطاقة[29] الى ما دون 100 دولار للبرميل عالميا حيث تشير توقعات سابقة الى ان احتمال زيادة تدفق النفط الإيراني الى الأسواق قد ينزل بسعر النفط الى 70 دولارا صيف العام الماضي[30]. وهو متغير قد لا تستفيد منه طهران على المدى القريب وخاصة انها مهتمة بجني أكبر المكاسب الممكنة من اجل تحصيل إيرادات تمكنها من سد عجز داخلي متفاقم وتمويل استثمارات تمكنها من تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير وظائف وتحسين الأوضاع الاجتماعية للإيرانيين خاصة في ظل ارتفاع مؤشرات غضب الشارع من تدهور معيشي عمقته تداعيات كورونا[31]. ورغم توقع مزيد من الاظطرابات الداخلية في ايران، الا ان ذلك لا يقلص من استمرار تهديدات السياسات التوسعية للنظام ونهجه الاستفزازي في التدخل في شؤون دول الجوار وتسليح بعض الجماعات الإرهابية خاصة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان. وهو ما قد يدفع لتوقع زيادة ممارسة ضغوط من حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط على إدارة بايدن لتقديم أكثر الضمانات واقعية لسلام دائم يجنب هذه الدول تهديدات إيرانية مستقبلية خاصة في ظل استمرار خطة الانسحاب العسكري الأمريكي من المنطقة.

ضمانات أمريكية بسلام دائم مقابل الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط

عبر تقديم ضمانات دعم استقرار المنطقة وتحييد تهديدات إيران وتعزيز الحلول السياسية والمفاوضات، تنوي واشنطن أن ينحصر دعمها لدول الخليج عند ذلك الحد. حيث لا يبدو أن البيت الأبيض يخطط لتجميد انسحابه الجزئي من منطقة الشرق الأوسط والخليج رغم الحرب الروسية الأوكرانية وتوتر الوضع الأمني في الخليج عقب تهديدات بصراع عسكري بين إسرائيل وإيران علاوة على الفوضى الحاصلة في أفغانستان والتي سبّبها الانسحاب الشامل لقواتها.

ورغم المخاطر المحتملة التي قد يتسبب فيها الانسحاب الجزئي ولاحقاً الشامل من سوريا[32] ودول الخليج، توصي الدراسات الأميركية بعدم تأخير خطة الانسحاب نظرا لعدم تشابه الظروف بين منطقة الخليج وأفغانستان أولاً، وثانياً لأهمية كبح الانفاق مع أولوية إعادة الانتشار الخارجي للقوات الأمريكية لمواجهة خطر تفاقم القوة الصينية في بحر الجنوب الصيني واحتمالات وشيكة لاندلاع حرب في تايوان وزيادة وتيرة مخاطر التحركات النووية لكوريا الشمالية.

عدم تأخير خطة الانسحاب الجزئي من الخليج والشرق الأوسط خيار يشجعه أيضاً التقدم الحاصل في مسار سلام يجري التخطيط لاستكماله سواء بين إسرائيل ودول عربية وخليجية وفلسطين أو باتفاق موازٍ بين إيران وجيرانها والمجتمع الدولي مع سعي دول الخليج هذه المرة للمشاركة في أي تفاهمات تشكل النسخة المعدلة من أي مفاوضات مستقبلية حول الاتفاق النووي الايراني[33] المنشود، وهو مسار ديبلوماسي تدعمه واشنطن سراً رغم التعثر المتوقع والامتعاض الأمريكي من الشروط والاستفزازات الايرانية.

مسار السلام المرتبط بمصالح مشتركة والذي تعمل عليه الإدارة الأميركية قد يشجّع بقاء الجدول الزمني المخطط له لاستكمال الانسحاب العسكري الجاري من الشرق الأوسط لكن مع الإبقاء على الحد الأدنى من الوجود العسكري الأمريكي. لكن هناك مخاوف من أن تكون وتيرة خفض القوات الأمريكية في قواعدها بدول الخليج متسرّعة وأن تتجاهل تأسيس معاهدة سلام دائم، مع هاجس تجنب تداعيات سيناريو الانسحاب من أفغانستان. وكانت بدأت الولايات المتحدة انسحابًا كاملًا وسريعًا لقواتها من أفغانستان بعيدًا عن توفر مبدأ التقدم في عملية السلام من عدمه[34]. ولذلك تسرّبت مخاوف لدى دول الخليج من أن مصلحة أميركا هي من تحدد خطة انسحاب الجيوش الأميركية وليس مصلحة الدول الحليفة الأخرى كما تدعي واشنطن.

يربط باحثون كثيرون تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان وما أحدثته من فوضى صدمت المجتمع الدولي بإعادة حسابات واشنطن لجدول زمن الانسحابات الأخرى المبرمج لها مع احتمال التأني أو تأخير خطة الانسحاب من الشرق الأوسط والخليج حتى لا يواجه حلفائها مصير الفوضى التي تشهدها أفغانستان وكإحدى الدروس المستفادة من أخطاء الانسحاب السريع.

الا أن الانسحاب المخطط له من منطقة الشرق الأوسط والخليج يبدو أنه يسير على مراحل وقد يكون بوتيرة أبطأ قليلاً مما كان مخططاً له قبل الانسحاب من أفغانستان. لكن هناك تقارير تفيد بأن الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض قد تراهن على تحقيق انجاز في ملف الانسحاب من الشرق الأوسط بنهاية عهدة الرئيس الأميركي جو بايدن مقابل تقليص مخاطر الصراعات واستكمال خطة تحقيق سلام تاريخي بين إسرائيل وفلسطين ودول في المنطقة تم العمل عليها منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما واستكملت بصيغة مختلفة في عهد الرئيس دونالد ترامب وتم تقديمها فيما يسمى بصفقة القرن. الا ان إدارة الرئيس الحالي جو بايدن قد لا تكتفي بهذا الإنجاز غير المكتمل لحد هذه اللحظة، حيث من غير المستبعد أن فريق بايدن بصدد اعداد تصور لخارطة طريق سلام في الشرق الأوسط بعد توفر فرصة كبيرة لتحقيق ذلك في المنطقة[35]. رؤية السلام قد تشمل أكثر من الفلسطينيين والإسرائيليين لتمتد لتحقيق سلام بين إيران والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بدعم من واشنطن وصولا لما يشبه التوافق على معاهدة عدم الاعتداء. وقد بدأت بالفعل اتصالات بين إيران والسعودية رحبت بها الإدارة الأمريكية[36].

في هذا الصدد، ترجح مؤشرات التعاون بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، احتمال تفويض البيت الأبيض لمهام حماية الخليج لفائدة حلف على شاكلة (الناتو العربي بمشاركة إسرائيلية) تقوده السعودية على الأرجح بتنسيق أمريكي إسرائيلي، حيث سعت الحكومات الأمريكية المتعاقبة لتمكين الرياض من قدرات عسكرية ودفاعية ضخمة، كما وفرت لها دعماً دولياً لتعزيز قوتها ونفوذها الاقتصادي عالمياً مع رصد تحوّل كبير في مسار نمو المملكة وآفاقه، وهو ما يزيد من طمأنة المجتمع الدولي والولايات المتحدة حول قدرة المملكة في أن تكون عراباً للسلام في المنطقة ونداً قوياً لإيران وحلفائها. وقد تكتفي واشنطن في مرحلة مقبلة، بعد اجراء أكبر سحب لقواتها، بمهمات المراقبة والدعم اللوجيستي والعمل الاستخباراتي بالتعاون مع الحلفاء الخليجيين. ورغم اهتمام واشنطن بتعزيز القدرات الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي، الا ان استكمال خطة انسحابها من الشرق الأوسط والخليج مرتهن بتقليص مصادر قوة ونفوذ إيران والجماعات الارهابية في المقابل.

الانسحاب الأمريكي مرتهن بتقليص نفوذ إيران في العراق وسوريا وتجفيف منابع الارهاب

على عكس رهان بعض التحليلات والدراسات بتأثير تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان على خطة الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط والخليج، لا يبدو أن هناك الحد الأدنى من تشابه الظروف والسياقات بين نموذجي الانسحاب. فأفغانستان بفقدانها للاستقرار طوال عقدين من الوجود الأميركي وتعقيدات خارطتها السياسية وصعوبات الاندماج العرقي والمجتمعي وضعف تنميتها البشرية والاقتصادية كانت بيئة هشّة لعودة الفوضى وعدم الاستقرار مع انسحاب القوات الدولية، وعلى العكس في دول الشرق الأوسط والخليج فان ظروفها مغايرة وتتمتع باستقرار سياسي خاصة الدول الخليجية، حيث أن دور القوات الأميركية في القواعد الخليجية لم يكن من أجل حماية الداخل بقدر ما كان بمثابة ردع ضد المطامع الخارجية خاصة من إيران مع استثناء الوضع العراقي.

لذلك فان الانسحاب الأميركي المخطط له من دول الشرق الأوسط والخليج بات مرتهناً بتوقيع اتفاق نووي إيراني مع الغرب ضمن (5زائد خمسة) مع احتمال تشريك بعض دول الخليج في هذه المحادثات. وتراهن الإدارة الأميركية على توقيع هذا الاتفاق من أجل دعم محفزات السلام في المنطقة فضلاً عن زيادة دعم تقارب إسرائيل مع الدول العربية والخليجية وخلق منطقة ازدهار مشتركة.

لكن تستمر المهمة الأولى للتدخل الأميركي في المنطقة متمثلة في حربها على الإرهاب وانتشار فكر التطرف حيث يمثل العدو الخفي الذي قد يدمر كل مخططات واشنطن في منطقة الشرق الأوسط. فعودة الإرهاب الديني قد يخلط الأوراق ببعضها ويبطأ جدول الانسحاب من بعض الدول بهدف تأمين مصالح أميركا وحلفائها من خطر عودة التنظيمات المتشددة العابرة للقارات.

ولعلّ تركّز المخاوف ينصب في العراق واليمن، حيث باتت المخاطر عالية جداً من إمكانية استغلال أطراف متشددة لظروف تداعيات جائحة كورونا (covid19) الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية واستثمارها في استقطاب غضب الشباب وإعادة احياء نواة تنظيمات حالمة بالسلطة تهدد الأنظمة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حيث احتفت مجموعات متطرفة حول العالم بالانتصار المعنوي الذي حققته حركة طالبان[37]وتم ربط هذا الانتصار ببعث الأمل لدى تنظيمات متشددة وتوقعات زيادة نشاطها على خلفية وضع اقتصادي وسياسي هش فضلاً عن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان التي صورها الاعلام الدولي.

كما تحرص واشنطن ضمن مخطط انسحابها على دعم تعزيز العلاقات العراقية الخليجية وحث دول الخليج على التقارب أكثر من العراق للحد من توسع النفوذ الإيراني. فأي خروج لقواتها خاصة من قواعدها بالكويت قد يشترط تعزز التقارب الخليجي العراقي. ولا تزال العلاقات بين دول الخليج والعراق باردة. رغم جهود تطويرها. فلسنوات مضت بعد سقوط نظام صدام حسين، كان هناك اتجاه لدى بعض الدول العربية لمراقبة مسار تطور السياسات العراقية وموازين القوى قبل اتخاذ مبادرة لتفعيل التقارب معها. لسوء الحظ، كان لهذا الاتجاه تأثير سلبي دفع العراق للتقارب أكثر من إيران[38].

كما من غير المستبعد سعي إدارة بايدن الحثيث لدعم تطبيع العلاقات الدولية والعربية مع سوريا[39] بدل ابتلاعها من إيران. وقد تدعم واشنطن مع القوى الدولية جهود إعادة اعمار سوريا بشروط قبول ديبلوماسيتها الانفتاح على التعاون مع القوى العربية والخليجية والدولية.

بايدن يسعى لإنهاء دوافع الصراع في الشرق الأوسط قبل سحب القوات العسكرية منه

يبدو أن الشرق الأوسط لا يقع ضمن الأولويات الثلاث بعيدة المدى لمناطق بايدن الجغرافية التي حددها بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا ونصف الكرة الغربي. فيما يتعلق بمسألة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بدأت إدارة الرئيس بايدن بالانسحاب النهائي من أفغانستان[40]، كما أنها وجّهت البنتاغون للبدء في إزالة بعض القدرات والقوات العسكرية من الخليج. وتشهد المنطقة الخطوات الأولى لمحاولة إعادة تنظيم الأثر العسكري الأمريكي بعيدًا عن الشرق الأوسط[41] وذلك على المدى البعيد.

وحسب تقارير صحفية أمريكية فان وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، يدرس خفض عدد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وأن التعيينات الجديدة في وزارة الدفاع لم تشمل مستشارين لمنطقة الشرق الأوسط. كما تم تخفيض عدد مستشاري الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، بينما زاد عددهم لمنطقة شرق آسيا.[42] ومن المرجح أن يكون الرئيس بايدن عرضة لمطالب التيار التقدمي الساعي إلى إعادة تحديد العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج بشأن القضايا المتعلقة بمبيعات الأسلحة وحقوق الإنسان والمشاركة العسكرية في المنطقة من أجل دواعي أمنية. حيث تمتد شراكة أمنية بين الولايات المتحدة مع دول الخليج منذ عقود طويلة تم إنشاؤها في جزء كبير منها لردع أو مواجهة محاولات إيران أو الصين وروسيا لتصبح قوة مهيمنة إقليمية في تلك المنطقة[43].

يروّج التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي على أنه قد حان الوقت لإعادة التوازن في العلاقات مع دول الشرق الأوسط بعيدًا عن التدخل العسكري مما يؤدي إلى الدبلوماسية البراغماتية لإرساء الأساس لمنطقة أكثر سلامًا واستقرارًا وحرية وتنهي عقدين من الانتشار العسكري واسع النطاق والحروب المفتوحة في المنطقة.

ويسعى بايدن ضمن أهدافه المعلنة في حملته الرئاسية الماضية لإنهاء الحروب إلى الأبد بداية من أفغانستان مرورا للشرق الأوسط، والتي كلّفت واشنطن دماءً وأموالاً لا توصف، وهو طموح ينشد إعادة بناء أدوات أخرى للقوة الأمريكية[44].

على صعيد آخر، لا يبدو أن الرئيس بايدن الذي ترأس لسنوات لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الكونغرس ووزير خارجيته دفيد بلينكين، المخضرم في البيت الأبيض ووزارة الخارجية قد يختلفان حول مبدأ الحفاظ على التحالفات حيث انتقد بايدن بشدة الرئيس السابق دونالد ترامب بسبب معاملته للحلفاء. وقد تعهد على سبيل المثال بتعزيز حلف الناتو والتحالف الأمني الغربي الذي يضم واشنطن وبرلين وتحالفات أخرى[45]، وهنا تبرز فرضية قوية تدعم احتمال عدم اقدام الإدارة الأمريكية على الانسحاب الجذري من الخليج وعدم المخاطرة بحلفائها التاريخيين خاصة وأن مصالحها معهم في نمو مضطرد.

سياسة بايدن في الشرق الأوسط: أولوية فض النزاعات

 تؤمن الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض بأولوية فضّ النزاعات بالاتفاق السياسي وليس بالحروب، لذلك أطلق البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما خطة حالمة تهدف لخفض أكبر عدد ممكن من القوات العاملة في القواعد الخارجية والبالغ عددها نحو 270 ألفاً مع سعي طموح لإعادة حجم القوة الأمريكية المنتشرة في العالم إلى قوة صغيرة كما كانت عليه ما قبل الحرب العالمية الثانية[46]. الخطة الطموحة التي بدأ الديمقراطيون منذ سنوات في العمل عليها ولم يعارضها الرئيس السابق الجمهوري دونالد ترامب تهدف الى خفض أكبر عدد ممكن التواجد العسكري حتى في أكثر المناطق توتراً مع خيار تأجيل الانسحاب من المناطق الحيوية لواشنطن خاصة منطقة الشرق الأوسط وتحديدا الخليج العربي. لكن لا يعني ذلك تخلي واشنطن عن حلفائها بل تهدف الخطة لصياغة رؤية شراكة أمنية جديدة قائمة على الجيش المثالي قليل العدد وأكثر كفاءة وراهنت على تعزيز تقنية الحرب الذكية عن بعد.

من خلال النظر بعمق في فريق بايدن السياسي والأمني في وزارة الخارجية أو في مجلس الأمن القومي أو في الدفاع فإن هناك ميل للمحافظة على ارث بصمة سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الخارجية بالنظر لتحديات الشرق الأوسط والتي تقضي بتأييد فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط والمراهنة عل انهاء الصراعات التي قد تؤثر على حلفاء واشنطن كإسرائيل ودول الخليج ومصر والأردن، وذلك من خلال عقد مفاوضات تنتهي باتفاقيات سلام. حيث من غير المستبعد دعم أمريكي لاتفاق نووي مع إيران والغرب ودول الخليج لمحاولة استيعاب تهديدات الايرانيين، فضلاً عن دعم استكمال مسار التطبيع مع جلّ دول الشرق الأوسط والمساهمة في دفع حلّ للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

على صعيد آخر، يفضّل بايدن دعم مسار السلام في الشرق الأوسط وذلك بإقناع الإسرائيليين والفلسطينيين ودول المنطقة بأهمية تبني حلّ الدولتين كخيار وحيد منسجم مع المبادرة العربية للسلام وهو خيار يفضّله الديمقراطيون لإنهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كما يسمح بمزيد من التطبيع بين الدولة العبرية وبقية دول الشرق الأوسط. خيار حل الدولتين قد لا ينسف حل صفقة القرن التي طرحها فريق ترامب انما قد يكون مكملاً مع دفع الإسرائيليين لتقديم بعض التنازلات. ويحاول فريق بايدن تفكيك الفوضى التي أحدثها ترامب بشأن السلام في الشرق الأوسط مع عدم اقصاء التفاوض مع الفلسطينيين كما فعل ترامب، حيث طلب بايدن من وزير الخارجية أنطوني بلينكين الإعلان عن إعادة فتح القنصلية الأمريكية في رام الله خلال اجتماعات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله في 25 مايو. وحسب إدارة بايدن فان مثل هذه الخطوة ستساعد الولايات المتحدة على إعادة العلاقات مع الفلسطينيين ودعم حلّ الدولتين.

كما أن انهاء الصراع في اليمن واستقرار سوريا ومنع عودة نشاط التنظيمات الارهابية ودعم دمقرطة الأنظمة والانفتاح على التعاون الدولي سيكون بمثابة هدف الديبلوماسية الأمريكية في المرحلة المقبلة من أجل تسهيل ظروف الانسحاب الجذري على المدى المتوسط والذي لا يمكن أن يتحقق قبل نهاية هذا العقد. ورغم الاختلاف حول آلية تطبيقه، الا أن مسار انسحاب القوات الأمريكية وتخفيض عددها يحظى بتوافق بين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة من أجل إعادة ترتيب أولويات المخاطر والفرص بالنسبة للولايات المتحدة مستقبلاً في ظل تمدد النفوذ الصيني والاسيوي والروسي في العالم.

ضغط صهيوني ويهودي لتجنب فكرة الانسحاب الأمريكي الشامل من الشرق الأوسط

تضغط مراكز الفكر الصهيونية واليهودية من خلال تقارير ودراسات وتوصيات للبيت الأبيض نحو تجنب فكرة الانسحاب الجذري من الشرق الأوسط وخاصة من دول الخليج مع تأييد فكرة الانسحاب الجزئي على مراحل حتى تحييد المخاطر الداهمة المتمثلة في عدم اليقين حول سياسات إيران العدوانية وتهديدات الإرهاب الاصولي وطموحات تركيا التوسعية.

وتحاول دارسات اقناع صناع القرار في الولايات المتحدة أن نفوذ أمريكا في العراق بما في ذلك قدرة واشنطن على التأثير على مصالحها هناك قد تتراجع بشكل كبير في أعقاب انسحاب القوات القتالية الأمريكية[47]. وتدعم إسرائيل بشكل علني جهود بقاء القوات الأمريكية في قواعدها بالشرق الأوسط، حيث تحافظ الولايات المتحدة على مجموعة واسعة من جهود التعاون الأمني مع الحكومة الاسرائيلية. وفي ظل تصور أمني أمريكي إسرائيلي مشترك لمستقبل الأمن في الشرق الأوسط وزيادة نفوذ اسرائيل في المنطقة، تلتزم واشنطن بمساعدة الدولة العبرية في الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي.

على صعيد آخر، تتناقض توصيات المحيطين بالرئيس جو بايدن حول آليات تنفيذ خطة تقليص القوات الأمريكية من القواعد الخارجية أو ما يعرف بخطة الانسحاب الكبير. التناقض يبرز خاصة في فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط حيث لا يوجد توافق تام بين مستشاري الرئيس خاصة بين التقدميين والديموقراطيين حول جدول زمني وآلية واضحة للانسحاب، اذ أن هناك اعتراض من اللوبي اليهودي والصهويني داخل أمريكا على فكرة تسريع سحب القوات الأمريكية من قواعدها بالشرق الأوسط ضمن خطة إعادة الانتشار، بينما يساند التيار التقدمي داخل الادارة الأمريكية تسريع الانسحاب العسكري مقابل تفعيل آلية الديبلوماسية وآلية التعاون عن بعد لفض النزاعات في أكثر المناطق توترا في العالم.

 

2022 ©  مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية MenaCC

 

المراجع:

[1] NAHAL TOOSI and JOSEPH GEDEON, An unsettled matter in Biden’s Middle East, politico, 06/13/2022, https://www.politico.com/newsletters/national-security-daily/2022/06/13/an-unsettled-matter-in-bidens-middle-east-00039222

[2] Ken Klippenstein, Ryan Grim, THE BIDEN ADMINISTRATION IS PURSUING A RETREAD OF TRUMP’S FALSE PEACE PLAN, 27 May 2022, https://theintercept.com/2022/05/27/biden-middle-east-abraham-accords/

[3] Joe Biden sets off aimlessly to the Middle East, economist, 12 july 2022, https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2022/07/12/joe-biden-sets-off-aimlessly-to-the-middle-east

[4] Max Fisher, As Israel’s Dependence on U.S. Shrinks, So Does U.S. Leverage, nytimes, May 2021, https://www.nytimes.com/2021/05/24/world/middleeast/Israel-American-support.html
[5] Michael Jansen, Biden administration blackmailed by Israeli government, jordantimes, Jun 01,2022, https://www.jordantimes.com/opinion/michael-jansen/biden-administration-blackmailed-israeli-government

[6] iiss analysis, Military Balance 2022 Further assessments, feb 2022,https://www.iiss.org/blogs/analysis/2022/02/military-balance-2022-further-assessment
[7] Karen Attiah, From ‘pariah’ to ‘move past it’: How Biden set aside press freedom, washingtonpost, 21 june 2022, https://www.washingtonpost.com/opinions/2022/06/21/biden-saudi-arabia-israel-journalists-death/
[8] Hamdan AlAlkim, U.S. President Joe Biden’s Foreign Policy towards the GulfHassan, American University of Ras AlKhaimah, Ras AlKhaimah, United Arab of Emirates, July 2021, DOI: 10.4236/ojps.2021.113026, https://www.scirp.org/journal/paperinformation.aspx?paperid=109701
[9] Tridivesh Singh Maini, Decoding Biden’s Saudi Arabia-Israel visit, June 22, 2022, moderndiplomacy, https://moderndiplomacy.eu/2022/06/22/decoding-bidens-saudi-arabia-israel-visit/; Abdullah Khalifa Al-Shayji, Will Biden’s visit reassure allies and prevent another war in the Middle East?, https://www.middleeastmonitor.com/20220621-will-bidens-visit-reassure-allies-and-prevent-another-war-in-the-middle-east/

[10] Joshua Keating, Candidate Biden said the Saudis would ‘pay the price’ for murder; now President Biden wants their help, June 22, 2022, https://www.grid.news/story/global/2022/06/22/candidate-biden-said-the-saudis-would-pay-the-price-for-murder-now-president-biden-wants-their-help/

[11] Matt Viser and John Hudson, Biden visit to Saudi Arabia reverses his vow to make it a ‘pariah’, washingtonpost, June 14, 2022, https://www.washingtonpost.com/politics/2022/06/14/biden-saudi-arabia-israel/

[12] DANIEL B. SHAPIRO and MARK DUBOWITZ,  Biden’s Saudi Arabia Opportunity, politico, 06/14/2022,https://www.politico.com/news/magazine/2022/06/14/bidens-saudi-arabia-opportunity-00039210

[13] United states Institute of Peace, Iran-Saudi Talks, Updated: April 25, 2022 Original: May 4, 2021, https://iranprimer.usip.org/blog/2021/may/04/secret-iran-saudi-talks
[14] United states Institute of Peace, Iran-Saudi Talks, Updated: April 25, 2022 Original: May 4, 2021, https://iranprimer.usip.org/blog/2021/may/04/secret-iran-saudi-talks
[15] Natasha Turak, Saudi foreign minister says the kingdom’s hands are ‘stretched out’ to Iran, 24 may, https://www.cnbc.com/2022/05/24/saudi-arabia-says-the-kingdoms-hands-are-outstretched-to-iran.html

[16] The New Arab Staff & Agencies, Iran says ‘too early’ to talk of Tehran, Riyadh reopening embassies, 20 June, 2022, https://english.alaraby.co.uk/news/iran-says-too-early-talk-tehran-riyadh-reopening-embassies

[17] SARAH LEAH WHITSON, America’s Middle East ‘Withdrawal’ Breathes Its Last Breath, prospect, JUNE 24, 2022, https://prospect.org/world/americas-middle-east-withdrawal-breathes-its-last-breath/

[18] Andrea Mitchell and Josh Lederman, White House postpones Biden trips to Saudi Arabia and Israel, june 2022, nbcnews, https://www.nbcnews.com/politics/white-house/white-house-postpones-biden-trips-saudi-arabia-israel-rcna31951
[19] Jeremy M. Sharp, Jim Zanotti, Coordinator, Kenneth Katzman, Christina L. Arabia, Clayton Thomas,  Israel’s Qualitative Military Edge and Possible U.S. Arms Sales to the United Arab Emirates, crsreports, October 26, 2020, https://crsreports.congress.gov/product/pdf/R/R46580
[20] Hilal Khashan, Israel Becomes the Middle East’s Superpower, geopoliticalfutures, december 23, 2020, https://geopoliticalfutures.com/israel-becomes-the-middle-easts-superpower/

[21] ELLEN KNICKMEYER and JOSEF FEDERMAN, Associated Press, Biden trip promotes budding Arab-Israeli security ties, Jul 7, 2022, https://www.militarynews.com/news/national/biden-trip-promotes-budding-arab-israeli-security-ties/article_30739aec-8e53-5f58-9230-c9bff170ea30.html

[22] ANDREW DESIDERIO, Iran sanctions could tighten if nuclear talks fade, Biden admin officials tell senators, politico,

06/15/2022, https://www.politico.com/news/2022/06/15/iran-sanctions-nuclear-deal-00039975

[23] Tridivesh Singh Maini, Decoding Biden’s Saudi Arabia-Israel visit, June 22, 2022, moderndiplomacy, https://moderndiplomacy.eu/2022/06/22/decoding-bidens-saudi-arabia-israel-visit/

[24] Claudia Carpenter, Iran’s access to oil, petrochemicals money jumps 60%, spglobal, May 2022, https://www.spglobal.com/commodityinsights/en/market-insights/latest-news/petrochemicals/052922-irans-oil-petrochemicals-gas-exports-jump-60-on-year
[25] ilna, Increase in monthly average of non-oil exports of Iran, 9 April 2022, https://www.ilna.ir/Section-economy-4/1216307-increase-in-monthly-average-of-non-oil-exports-of-iran
[26] Russia’s Lavrov In Iran To Discuss Nuclear Deal, Cooperation On Energy, 22 june 2022, https://www.rferl.org/a/russia-lavrov-iran-nuclear-talks/31910614.html
[27] Katherine Bauer, Patrick Clawson, How Much Would Iran Gain Financially from Returning to the JCPOA?, Mar 16, 2022, washingtoninstitute, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/how-much-would-iran-gain-financially-returning-jcpoa#:~:text=In%20its%20latest%20regional%20economic,reported%20reserves%20of%20%24115.4%20billion.
[28] Katherine Bauer, Patrick Clawson, How Much Would Iran Gain Financially from Returning to the JCPOA?, Mar 16, 2022, washingtoninstitute, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/how-much-would-iran-gain-financially-returning-jcpoa#:~:text=In%20its%20latest%20regional%20economic,reported%20reserves%20of%20%24115.4%20billion.
[29] CAROLE NAKHLE, All eyes on Iranian oil, gisreportsonline, march 2022, https://www.gisreportsonline.com/r/iran-oil/

[30] Abigail Ng, Goldman says a nuclear deal with Iran could send oil prices higher. Not everyone agrees,cnbc, JUN 4 2021, https://www.cnbc.com/2021/06/04/investing-in-oil-what-iran-nuclear-deal-means-for-energy-markets.html
[31] Heavy Crackdown In Iran As Protests Show No Sign Of Ending,  Iran International Newsroom, may 2022, https://www.iranintl.com/en/202205317029

[32] Neil Quilliam, The Middle East Is Preparing for the United States’ Exit From Syria Among Arab countries, the race is on to repair ties with the Assad regime, august 2021, Foreign Policy, https://foreignpolicy.com/2021/08/25/assad-middle-east-preparing-united-states-exit-syria/
[33] GCC Countries Demand Iran Missile Program To Be Part Of Nuclear Talks, Thursday, 17 Jun 2021, https://iranintl.com/en/iran-in-brief/gcc-countries-demand-iran-missile-program-be-part-nuclear-talks
[34] Afghanistan Study Group Final Report, United States Institute of Peace, F E B R U A R Y 2 0 2 1,https://www.usip.org/sites/default/files/2021-02/afghanistan_study_group_final_report_a_pathway_for_peace_in_afghanistan.pdf
[35] Frederick Kempe, Op-ed: Biden has a historic opportunity in the Middle East to foster peace and economic progress, MAY 9 2021, https://www.cnbc.com/2021/05/09/op-ed-biden-has-a-historic-opportunity-in-the-middle-east-to-foster-progress.html
[36] Natasha Turak, Washington welcomes news of direct talks between Iran and Saudi Arabia, official says, OCT 5 2021, https://www.cnbc.com/2021/10/04/washington-welcomes-news-of-direct-talks-between-iran-and-saudi-arabia.html

[37] AQIL SHAH, How Will the Taliban Deal With Other Islamic Extremist Groups?, carnegie, 2021, https://carnegieendowment.org/2021/08/31/how-will-taliban-deal-with-other-islamic-extremist-groups-pub-85239
[38] THE GULF SECURITY ARCHITECTURE: PARTNERSHIP WITH THE GULF COOPERATION COUNCIL, A MAJORITY  STAFF REPORT PREPARED FOR THE USE OF THE COMMITTEE ON FOREIGN RELATIONS UNITED STATES SENATE One Hundred Twelfth Congress Second Session, June 19, 2012, https://www.govinfo.gov/content/pkg/CPRT-112SPRT74603/html/CPRT-112SPRT74603.htm
[39] Opinion | Biden is tacitly endorsing Assad’s normalization, The Washington Post, 8 oct 2021, https://www.washingtonpost.com/opinions/2021/10/07/biden-is-tacitly-endorsing-assads-normalization/
[40] Missy Ryan and Missy Ryan, “Biden will withdraw all U.S. forces from Afghanistan by Sept. 11, 2021,” WashingtonPost, April13, 2021, https://wapo.st/3b1YF75l
[41] Gordon Lubold and Warren P. Strobel, “Biden Trimming Forces Sent to Mideast to Help Saudi Arabia,” The Wall Street Journal, April1, 2021, https://on.wsj.com/3h4Q5Z9
[42] Natasha Bertrand and Lara Seligman, Biden deprioritizes the Middle East, Mohammad Yaghi, What Drives President Biden’s Middle

East Policies? And what are their Impacts on the Gulf States?, Policy Report No. 22 – May 2021, https://www.kas.de/documents/286298/8668222/Policy+Report+No+22+What+Drives+President+Biden%E2%80%99s+Middle+East+Policies.pdf/98bac5dc-abc0-a108-18ef-32ff9f156873?version=1.1&t=1621864193248
[43] Congessional research service, U.S. Role in the World: Background and Issues for Congress, January 19, 2021, https://sgp.fas.org/crs/row/R44891.pdf
[44] THE POWER OF AMERICA’S EXAMPLE: THE BIDEN PLAN FOR LEADING THE DEMOCRATIC WORLD TO MEET THE CHALLENGES OF THE 21ST CENTURY, https://joebiden.com/americanleadership/
[45] Joseph Ax, Trevor Hunnicutt, Exclusive: Biden to review Trump decision to cut troops in Germany if elected, Reuters, JULY 9, 2020, https://www.reuters.com/article/us-usa-election-biden-germany-exclusive-idUSKBN24A293
[46] Thom Shanker and Helene Cooper, Pentagon Plans to Shrink Army to Pre-World War II Level, New york times, Feb. 23, 2014, https://www.nytimes.com/2014/02/24/us/politics/pentagon-plans-to-shrink-army-to-pre-world-war-ii-level.html
[47] Daniel Byman and Sara Bjerg Moller, The United States and the Middle East: Interests, Risks, and Costs, Sustainable Security: Rethinking American National Security Strategy, edited by Jeremi Suri and Benjamin Valentino.Copyright © 2016 The Tobin Project, https://www.tobinproject.org/sites/tobinproject.org/files/assets/Byman%20&%20Moller%20-%20The%20United%20States%20and%20the%20Middle%20East_0.pdf

Print Friendly, PDF & Email
مشاهدات : 177